قوله باب مِن قال إنَّ الإيمان هو العمل لقوله تعالى {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف72.
…قال (( ح ) )قال النَّووي بعد أن حكى ما [1] ذكره [2] البخاري في قوله تعالى {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر92، 93 في الآية وجه آخر وهو المختار، والمعنى [3] {لَنَسْأَلَنَّهُمْ} عن أعمالهم كلِّها التَّي يتعلَّق بها التكليف، وقول مَن خصَّه بلفظ التوحيد دعوى لا دليل عليها فلا تُقبل، وأمَّا الحديث الَّذي أخرجه التِّرمذيُّ عن أنسٍ فهو ضعيفٌ.
…قلت لتخصيصهم وجهٌ مِنْ جهة التَّعميم في قوله {أَجْمَعِيْنَ} بعد أنْ تقدَّمَ ذكرُ الكفَّارِ إلى قوله {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر88 فيدخل فيه الكافر والمسلم، فإنَّ الكافر مخاطَبٌ بالتَّوحيد بلا خلاف، بخلاف باقي الأعمال ففيها الخلاف، فَمَنْ قال إنَّهُم مخاطبون بقول [4 إنَّهُم مسؤولون عن الأعمال كلِّها، ومَنْ قال إنَّهُم غير مخاطبين يقول إنَّمَا يُسأل عن التوحيد فقط، فالسؤال عن التَّوحيد متفقٌ عليه، فهذا دليلُ التَّخصيص، فحمْل الآية عليه أولى، بخلاف
ص 41
الحمْل على جميع الأعمال لِمَا فيه من الاختلاف.
…قال (( ع ) )هذا القائل قصد بكلامه [5] الرَّدَّ على النَّوويِّ ولكنَّه تاه في كلامه، فإنَّ النَّوويَّ لم يقل ينبغي [6] التَّخصيص؛ لعدم التَّعميم في الكلام وإنَّما قال دعوى التَّخصيص بلا دليلٍ خارجي لا يُقبل، وإنَّمَا قال ذلك لأنَّ الكلام عامٌ في السؤال عن التوحيد وغيره، فَمَن خصَّه بالتَّوحيد يحتاجُ إلى دليل، فإنِ اسْتدلوا بالحديث فهو ضعيفٌ، وهذا القائلُ فَهِمَ أنَّ النِّزاع إنَّما هو من جهة التعميم في قوله {أَجْمَعِيْنَ} وليس كذلك، وإنَّما هو في قوله {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فإنَّ العمل هنا أعمُّ مِنْ أن يكون توحيدًا أو غيره، وتخصيصه بالتوحيد تحكُّم [7] .
…قوله فيدخل فيه المسلم والكافر. غير مُسَلَّمٍ؛ لأنَّ الضمير في قوله {لَنَسْأَلَنَّهُمْ} يرجع إلى المستهزئين الذين جعلوا القرآن عِضين، وهم ناسٌ مخصوصون، ولفظ {أَجْمَعِيْنَ} وقعت تأكيدًا للضمير المذكور في السُّنَّةِ مع الشُّمول في أفراده المخصوصين، ثمَّ تعليلُ هذا القائل فإنَّ الكافر ... إلى آخره ... ليس له دخلٌ في صورة النِّزاع على ما لا يخفى.
…قلت لا يخفى مَا في كلامه مِن الخَبْطِ والتَّحامل، ودعواه أنَّ الضَّمير في {لَنَسْأَلَنَّهُمْ} للمستهزئين مردودٌ؛ بل هو راجعٌ إلى المشركين المذكورين في قوله تعالى {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر94، 95. {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ* فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ} [سورة الحجر91، 92 فَذِكْرُ المستهزئين وقع استطرادًا، وفائدتُه التَّحريضُ على امتثال الأمر بالصداع [8] المأمور به.
[1] قوله «ما» ليس في (س) .
[2] في (س) «ذكر» .
[3] قوله {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} في الآية وجه آخر وهو المختار، والمعنى زيادة من (د) و (س) .
[4] في (ظ) «يقول» .
[5] في (س) «بكلام» .
[6] في (ظ) «بنفي» .
[7] في (س) «تهكم» .
[8] في (ظ) «بالصدع» .