ص 123
التَّخفيف في الوضوء في شرح حديث ابن عباس «بتُّ عِنْد خَالَتِي مَيْمُونَة لَيْلَةً [1] ، فَقَامَ النَّبِي صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ من اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بعض اللَّيْل قَامَ النَّبِي [2] صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ فَتَوَضَّأ» ، كذا للأكثر «فقام» ولابن السَّكَن «فنام» بالنُّون بدل القاف، وصوَّبها القاضي عياض لأجل قوله بعد ذلك «فلما كان بعض الليل قام» ، انتهى.
…وهي وإن كانت راجحة لكنْ لا ينبغي الجزم بخطأ الأخرى؛ لأنَّ توجيهها [3] ظاهرٌ وهو أنَّ الفاء في قوله «فلمَّا كان» تفصيله [4] للجملة الثانية، وإن كان مضمونها مضمون الأولى لكن المغايرة بينهما بالإجمال والتَّفصيل، وعلى هذا فقوله «من» في قوله «من اللَّيل» تبعيضية، أي قال بعض.
…قال (( ع ) )بل الصَّواب ما صوَّبه القاضي، وهذا التوجيه غير مُوجَّه إذْ لا إجمال في الأولى ولا تفصيل في الثانية، كذا قال، والله المستعان.
…قال (( ح ) )فيه أيضًا قوله «نام حتَّى نفخ» ، وربَّما قال «اضطجع حتَّى نفخ، ثمَّ قام فصلى» ، أي كان سفيان يقول تارةً نام، وتارةً اضطجع، وليس نام واضطجع مترادفين؛ بل بينهما عمومٌ وخصوص مِن وجه، لكنَّه لم يرد إقامة أحدهما مقام الآخر؛ بل كان إذا روى الحديث مطوَّلًا قال اضطجع فنام كما سيأتي، وإذا اختصره قال نام، أي مضطجعًا أو اضطجع، أي نائمًا.
…قال (( ع ) )الاضطجاع في اللُّغة وضع الجنب بالأرض، ولكن المراد به النَّوم، وحينئذ يكون بين قوله «اضطجع حتَّى نفخ» ، وبين قوله «نام حتَّى نفخ» مساواة، فكيف يقول هذا الشَّارح ليسا
ص 124
مترادفين؟، انتهى.
…ولا يخفى صواب ما قاله الشَّارح على مَن له أدنى تأمُّل، لكن مَن يتحامل ويَتَعنَّتُ يقع منه أكثر مِن هذا والله الهادي للصَّواب.
…والعجب أنَّه يرتضي مباحث الشَّارح وينقلها كما هي موهمًا أنَّها مِن تصرُّفه، وإذا لاحت أدنى فرصة وَهَّى كلامه ولو كان موجهًا.
…ومِن عجيب ما وقع له هنا أنَّ الشَّارح قال ما نصُّه في قوله يخففه [5] ، عمرو، ويقلله أي يصفه بالتخفيف والتقليل، وقال ابن المنير يخففه [6] أي لا يكثر الدَّلك ويقلِّله، أي لا يزيد على مرَّةٍ مرَّة، وفيه دليل على إيجاب الدَّلك؛ لأنَّه لو كان يمكن اختصاره لاختصره، انتهى.
…وهي دعوى مردودةٌ، فإنَّه ليس في الخبر ما يقتضي الدَّلك؛ بل الاقتصار على سيلان [7] الماء على العضو أخفُّ مِن قليل الدَّلك.
…قال (( ع ) )قوله يخفِّفه عمرو، أي ابن دينار، والفرق بين التَّقليل والتَّخفيف، فذكر شيئًا، ثمَّ نقل كلام ابن بطَّال ثمَّ قال وقال ابن المُنيِّر يخفِّفه، أي لا يكثر الدَّلك ويقلِّله، أي لا يزيد على مرَّةٍ مرَّة، ثمَّ قال وفيه دليل على إيجاب الدَّلك؛ لأنَّه لو كان يمكن اختصاره لاختصره.
…قلت فيه نظر؛ لأنَّ قوله «يخفِّفه» ينافي وجود الدَّلك، فكيف يكون فيه دليل على وجوبه.
…وقال [8] (( ح ) )في قوله «نحوًا مما توضأ» قال الكِرْمَاني لم يقلْ مثلًا؛ لأنَّ حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ، انتهى.
…وقد ثبت في هذا الحديث كما سيأتي بعد أبواب «فقمتُ فصنعتُ مثل ما صنع» ، ولا يلزم مِن إطلاق المثلية المساواة مِن كل جهة.
ص 125
فقال (( ع ) )قوله «فتوضَّأ نحوًا مما توضَّأ» أراد أنَّه توضَّأ وضوءًا خفيفًا مِثل وضوء النَّبيِّ صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ.
…وقال الكِرْمَاني قال نحوًا، ولم يقلْ مثلًا؛ لأنَّ حقيقة مماثلته عليه السَّلام لا يقدر عليها غيره.
…قلت يرد عليه ما ثبت في هذا الحديث على ما يأتي بعد أبواب «فقمتُ فصنعتُ مثل ما صنع» ، فعُلم مِن ذلك أنَّ المراد مِن قوله «نحوًا مثلًا» ؛ لأنَّ الحديث واحدٌ، والقصَّة واحدةٌ.
…وقال في الباب بعده نحو ذلك وبالغ فقال، فقلت [9] وساق كلام (( ح ) )بعينه، وله أمثالُ أمثالِ [10] ذلك وقد تقدَّم التنبيه على كثير مِن ذلك، ويأتي أكثر مِن ذلك، والله يفتح بيننا وبينه بالحقِّ وهو خير الفاتحين.
[1] قوله «ليلة» ليس في (ظ) .
[2] في (س) و (ظ) «رسول الله» .
[3] في (ظ) «توجهَّها» .
[4] في (س) و (ظ) و (د) «تفصيلية» .
[5] في (س) «تخففه» .
[6] قوله (( عمرو، ويقلله أي يصفه بالتخفيف والتقليل، وقال ابن المنير يخففه ) )زيادة من (س) .
[7] في (س) «سبيل أن» .
[8] في (س) «قال» بلا واو.
[9] قوله (( فقلت ) )زيادة من (س) ، وفي (ظ) «فقال» .
[10] قوله (( أمثال ) )زيادة من (س) .