…قال عياضٌ اختلفت الأحاديث في مسافة سِعة الحوض، وليس فيه حديث واحد حتَّى يعدَّ اضطرابًا، وإلَّا جاء مِن عدَّة أحاديث عن غير واحد سمعوه في مواطن كثيرة، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يضرب في كلٍّ منها مثلًا، لبعد أنظار [1] بما سنح [2] له مِن العبارة، وبقْرُب [3] ذلك للعلم
ص 748
ببعد ما بين البلاد الغاية [4] .
…قال فبهذا [5] يجمع بين الألفاظ المختلفة.
…قال (( ح ) )فيه نظر مِن جهة أن ضرب المثل والتقدير إنَّما يكون فيما يتقارب، وأمَّا المتباعد الَّذي يزيد تارة على مسافة ثلاثين يومًا وينقص إلى ثلاثة أيام فلا.
…قال (( ع ) )في نظره نظر؛ لأنَّه يحتمل أنَّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم لمَّا أخبر بثلاثة أيام كان هذا المقدار، ثمَّ إنَّ الله تعالى تفضَّل عليه باتِّساعه شيئًا بعد شيء، وكلَّما اتَّسع أخبر [6] بقدر ما اتَّسع، وكلُّ مَن روى بمقدارٍ قال فيما رواه غيره بحسب ذلك، وهذا [7] الوجه يحصل الجواب الشَّافي عن الاختلاف المذكور، فلا يُحتاج بعد ذلك إلى كلام طويل غير طائل كما صدر ذلك عن صاحب النَّظر المذكور.
…قلت هذا الجواب بعينه قد ذكر في الكلام الطويل، وكان (( ع ) )لمَّا ارتضاه أوهم أنَّه ظفر بِّه، وأنَّ فيه غُنْية عن بقيَّة الكلام، وكان حقُّه أن ينسبه لمَن أبرزه قبله، وكان [8] سياق الكلام الطويل [9] الذي زعم أنَّه لا طائل فيه مع أنَّ الَّذي ارتضاه مِن جملته.
…قال (( ح ) )متَّصلًا بكلامه وأجاب النَّوويُّ بأنَّه ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكثيرة، فالأكثر ثابت،
ص 749
ولا معارضة، كأنَّه أشار إلى أنَّه أخبر أولًا بالمسافة اليسيرة، ثمَّ أعلم بالمسافة الطَّويلة، فأخبر بها حيث تفضَّل الله باتِّساعه شيئًا بعد شيء، فيكون الاعتماد على أطولها مسافة، وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون التَّفاوت في الطَّرفين ورد بحديث عبدِ اللِه بنِ عمروٍ «وزَوَايَاهُ سَوَاءٌ» وجمع آخر باختلاف السَّير البطيء، وهو سير الأثْقال والسَّير [10] السَّريع، وهو سير الرَّكب المخفف [11] فحمل [12] رواية «أقلَّها» على سير البريد مثلًا، فقد عُهِد منهم مَن يقطع مسافة الشهر في ثلاثة أيام، ولكنَّه نادر جدًّا، وفي هذا الجواب نظر، والَّذي قبله أقوى وهو أقوى [13] ما جمع به مع أنَّ لفظ الخبر في المسافة اليسيرة، أعلم [14] الحافظ ضياء الدين في كتاب «الحوض» أنَّ الصَّواب في سياقه «مِثْلُ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ جرباء وأذرح» [15] وهذا يوافق رواية أبي سعيدٍ عند ابن ماجهْ «كما بين الكعبة وبيت المقدس» .
…فانظروا كم اشتمل هذا الكلام الَّذي زعم هذا المعترض أنَّه غير طائل على طائل ولله الحمد.
…قوله في حديث ابن عمر «وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ» .
…قال المازِريُّ ما مُلخَّصه هذا يخالف قول النُّحاة لا يُقال أبيض مِن كذا بلْ أشدُّ بياضًا.
…قال (( ح ) )قد وقع في رواية أبي ذرٍّ فيحتمل أن تكون [16] رواية
ص 750
مَن روى «أبيض مِن اللَّبن» مِن تصرُّف الرُّواة.
…قال (( ع ) )القول بأنَّ هذا جاء مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم استعمل اللَّفظين فيكون فيه ردٌّ على النُّحاة.
…قلت حكاية هذا تغني عن التَّصدي لردِّه.
…قوله «بَيْنَمَا أَنَا [17] أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذْ أَنَا بِنَهْرٍ» الحديث عن رواية أنس.
…قال الدَّاودِيُّ إن كان هذا محفوظًا دلَّ على أنَّ الحوض الذي يدفع عنه أقوام غير الَّذي في الجنَّة، أو يكون [18] هو الَّذي يراهم، وهو داخل الجنَّة مِن خارجها، فيناديهم فينصرفون عنه.
…قال (( ح ) )هذا تكلُّف عجيب، ويغني عنه أنَّ [19] الحوض خارج الجنَّة، وهو غدير النَّهر الَّذي داخل الجنَّة، وهو الكوثر كما تقدَّم، فلا إشكال أصلًا.
…قال (( ع ) )هذا يحتاج إلى دليل أنَّه يُمدُّ مِن النَّهر الَّذي في الجنَّة، قال وأحسن مِن هذا ما تقدَّم أنَّه له حوضَيْن.
…قلت تقدَّم ذكر الدَّليل الذي طالما ذكرته في أوَّل الكلام على هذا الباب في الرَّدِّ على القرطبيِّ في جزمه بأنَّ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حوضيْن، فذكرت حديث أبي ذرٍّ عند مُسْلِمٍ في صفة الحوض «يَصُبُّ فيه [20] مِيزَابَان مِنَ الْجَنَّة» ونحوه في حديث ثَوبان، وأصرَح منه حديث ابنُ مسعودٍ «وَيُفْتَحُ نَهْرُ الْكَوْثَرِ إِلَى الْحَوْضِ» أخرجه الإِمام أحمدُ.
…قوله في آخر الباب «وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي فَأَقُولُ
ص 751
يَا رَبِّ مِنِّي وَمِنْ [21] أُمَّتِي، فَيُقَالُ هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ».
…قال (( ح ) )فيه إشارة إلى أنَّه لم يعرف أشخاصهم بعينها، وإنْ كان يعرف أنَّهم مِن أمَّته بالعلامة.
…قال (( ع ) )فيه نظر لا يخفى.
[1] في (د) «أقطار» .
[2] في (د) «يسنح» .
[3] في (د) و (ظ) و (س) «ويقرب» .
[4] في (د) «النائية» ، وفي (س) بياض.
[5] في (د) «فهذا يجمع» .
[6] في (د) و (ظ) «أخبره» .
[7] في (د) «وبهذا الوجه» .
[8] في (س) «هذا» .
[9] قوله (( سياق الكلام الطويل ) )زيادة من (س) .
[10] في (س) «سير» .
[11] في (د) «المخفّ» .
[12] في (د) «وتحمل» .
[13] قوله (( وهو أقوى ) )زيادة من (س) .
[14] في (س) «أعلَّه» .
[15] في (س) «حرم وأدرج» .
[16] في (س) «يكون» .
[17] قوله «أنا» ليس في (س) .
[18] في الأصل (( ويكون ) ).
[19] قوله (( أن ) )زيادة من (د) و (ظ) و (س) .
[20] قوله (( فيه ) )زيادة من (د) و (س) ، وهي ليست في (ظ) .
[21] قوله «من» ليس في (س) .