…وقال عبيدُ [1] الله بن عمرَ عن عبد الملكِ بن عُميرٍ يعني عن ورَّاد عن المغيرة رفعه «لاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ» .
…قال (( ح ) )وصلها الدَّارِميُّ عن زكريا بن عَديٍّ عن عبيدِ الله بن عمير [2] ، وهو الرَّقيُّ به، وطعن الخَطَّابيُّ ومَن تبعه في صحَّة هذه اللَّفظة فقال إطلاق الشَّخص في صفات الله تعالى غير جائز؛ لأنَّ
ص 807
الشَّخص لا يكون إلَّا جسمًا مؤلَّفًا، فحقيقٌ [3] أن لا تكون هذه اللَّفظة غير صحيحة، وتكون تصحيفًا مِن الرَّاوي، ودليل ذلك أنَّ أبا عَوانة روى هذا الحديث عن عبد الملك فلم يذكرها، ووقع في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ وأسماء بنت أَبِي بَكْر بلفظ «لا شيء» وهي قريبة مِن «شخص» ووزنهما سواء، فمَن لم ينعم في الاستماع لم يأمن مِن الوهم، وليس كلُّ الرُّواة يراعي لفظ الحديث لا يتعدَّاه؛ بل كثير منهم يحدِّث بالمعنى، وليس كلُّهم فقهاء؛ بل في كلام بعضهم حقًا [4] وتَعَجرف، فلعلَّ لفظ شخص جرى على هذا السَّبيل إنْ لم يكن غلطًا، وقد انْفرد عبيدُ الله بن عمروٍ عن عبدِ المَلِك بهذه اللَّفظة ولم يتابع عليها، فاعتوره الفَساد. انتهى.
…وتلقَّاه عن الخَطَّابيِّ أبو بكرٍ بنُ فَورِكَ فقال لفظ «شخص» غير ثابت مِن طريق السَّند، فإن صحَّ فبيانه في الطَّريق الآخر بلفظ «إلَّا أَحَد [5] » ، وإنَّما امتنعنا مِن إطلاق لفظ الشَّخص أمورًا [6] أحدها أنَّه لم يثبت مِن طريق السَّمع ... إلى آخر كلامه.
…ونحا ابنُ بطَّالٍ نحوه وساق بعض كلامه، وهذا كلُّه منهم مبنيٌّ على تفرُّد عُبيدُ الله بنُ عَمروٍ، ومقتضاه أنَّ مَن
ص 808
أطلق ذلك لم يراجع «صحيح مُسْلِم» ولا غيره مِن الكتب الَّتي وقعت فيها هذه اللَّفظة مِن غير رواية عُبيد الله بن عمروٍ، فقد أخرجه مُسْلِم فذكرها في بعض طرقِه.
…وأخرجه أبو عَوانة الإسْفِرَايِيْنيُّ في «مستخرجه» على مُسْلِم، والإِسماعيليُّ في «مستخرجه» على [7] البخاريِّ، كلٌّ منهما مِن ثلاث طرق بإثباتهما، وإذا تقرَّر ذلك فالتَّشاغل بردِّ الرِّواية الصَّحيحة والطَّعن في أئمَّة الحديث مع إمكان توجيه هذه اللَّفظة يقتضي قصور فهم مَن فعل ذلك ولوم مَن نسب إلى أهل الحديث، ثمَّ مَن تصدَّى لشرح الحديث أشدَّ مِن لوم مَن ليس منسوبًا إلى الحديث، وقد أنصف صاحب «الكمال» المعلِّم حيث قال يعني شرح قوله «وَلاَ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ» وعلى هذا لا يكون في ذِكْر الشَّخص ما يُشكل، ثمَّ أطال في تقرير ذلك وتبعه القرطبيُّ في «المفهم» .
…ومِن ثمَّ قال الْكِرْمَانِيُّ لا حاجة لتخطئة الرُّواة الثِّقات؛ بل حكم هذا حكم سائر المُتشابهات، إمَّا التَّأويل وإمَّا التَّفويض. انتهى مُلخصًا.
…قال (( ع ) )وقع (( ح ) )في غير ما أنكر، والخَطَّابيُّ لم ينكر هذه اللَّفظة وحده، والعجب مِن هذا القائل كيف أيَّد كلامه بكلام الْكِرْمَانِيِّ مع أنَّه ينسبه في مواضع إلى
ص 809
الغفلة وإلى الوهم وإلى الغلط، ومِن أين ثبتَ له عدم مراجعة الخَطَّابيِّ إلى «صحيح مُسْلِم» وغيره؟ والسَّهو والنِّسيان غير مدفوعين عن كلِّ أحد، وفي نسبة الثِّقات إلى قصور الفهم واقع هو فيه. انتهى.
…ومَن تأمَّل هذا الجواب عرف أنَّه لا يتحصَّل له مقصودٌ، ولله الحمد.
[1] في (س) «عبد» .
[2] في (د) «عمرو» .
[3] في (د) و (س) «فخليق» .
[4] في (د) و (ظ) و (س) «خفاء» .
[5] في (د) و (ظ) و (س) «لا أحد» .
[6] في (د) و (ظ) و (س) «أمور» .
[7] قوله «مسلم، والإسماعيلي في مستخرجه على» ليس في (س) .