…3 - 4 - الحديث الثالث
…قوله في الكلام على حديثها أوَّل ما بُدئ به رسول الله صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ مِن الوحي الرُّؤيا ... إلى أن قال فقلت «مَا أَنَا بِقارِئٍ» «ما» نافية إذ لو كانت استفهامية لم تدخل الباء عليها، وإن حُكي جوازه عن الأخْفَش فإنَّه شاذٌّ، وإنَّما الباء زائدة لتأكيد النفي، وجوَّز أبو شَامة أن تكون «ما» الأولى للامتناع، والثانية للإخبار،
ص 22
والثَّالثة للاستفهام. قلت ويؤيِّده أنَّ في رواية أبي الأسود عن عروة في «مغازيه» «كيف أقرأ؟!» ، ونحوه مِن وجه آخر عن الزُّهْري في «الدلائل» للبيهقي.
…قال (( ع ) )العجب مِن هذا الشَّارح يُغلِّط مَن قال إنَّها استفهامية، ثمَّ يذكر رواية أبي الأسود وهي مُصرِّحةً بأنَّها استفهاميةٌ.
…قلت انْظرْ وتعجَّب.
…قوله «فرجع بها»
…قال (( ح ) )أي بالآيات أو بالقصَّة.
…قال (( ع ) )قوله أو بالقصَّة لا وجه له أصلًا على ما لا يخفى.
…قلت مَن يخفى عليه مثل هذا ماله يعترض على مَنْ يفهم.
…قوله (وتَكسِب المُعْدَم [1] ) .
…قال من نحو [2] (( ح ) )بفتح أوَّله على المشهور وبالضم [3] ، وعليها قال الخطَّابي الصَّواب الْمُعْدَم _بضم الميم بلا واو_ أي الفقير لا يكسب.
…قال (( ح ) )ولا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم؛ لكونه كالمعدوم الميت الَّذي لا تصرُّف له.
…قال (( ع ) )الصَّواب ما قاله الخطَّابيُّ، وكذا قال الصَّغَانِيُّ في «العبابِ» وتُكسِب المعدوم، أي تُعطي العَائل وتردفه.
…قال (( ح ) )قوله (فَحَمِيَ الْوَحْيُ) أي قوي وجاء كثيرًا [4] ، وفيه مطابقةً لتعبيره عن تأخيره بالفتور إذْ لم ينته إلى الانْقطاع [5] ، فوصف بالمصدر، وهو المبرد [6] .
…وقوله (وَتَتَابَع) أي تكاثر، وهو تأكيدٌ معنوي، ووقع في الكُشْمِيهَني وأبي الوقت ومعناه مجيء الشيء يتلو بعضه مِن غير خلل.
…قال (( ع ) )قالوا _الشُّرَّاح كلُّهم_ معنى حمي وتتابع واحدٌ، فأُكَّد أحدهما بالأخر.
…قلت ليس معناهما واحدٌ، فإنَّ معنى حمي النهار اشتدَّ حرُّه، ومعنى تتابع تواتر
ص 23
فالمراد حَمِيَ [7] الوحي اشتداده وهجومه، وتتابعه [8] تواتره وعدم انقطاعه، وإنَّما لم يكتف بـ «حمي» لأنَّه لا يستلزم الاستمرار والدوام والتواتر [9] ، فلذلك قال وتتابع، وهذا مِن الأسرار الرَّبَّانية والأفكار الرَّحمانيَّة، والتواتر مجيء الشيء يتلو بعضه بعضًا مِن غير خللٍ، ولقد أبعد مَن قال وتتابع تأكيدٌ معنويٌّ لأنَّ التأكيد المعنوي ألفاظه مخصوصة، وإن لم يرد التَّأكيد الاصطلاحي فهو ما يكون بين لفظين معناهما واحدٌ، وقد ثبت تغايرهما.
…قال (( ح ) )لم يقتصر الجميع على ما ادَّعاه مِن وحدة المعنى فيهما بل جوَّزوا المغايرة، وقد جوَّزوا ردَّ الأوَّل إلى الثاني، فقالوا «حمي» كناية عن مجيئه كثيرًا، ومعنى الكثرة موجودٌ في التَّتابع أيضًا، وليس هذا بعجيبٍ فإنَّ اللَّفظ قد يصير بمعنى اللَّفظ بضربٍ مِن التَّأويل، ثمَّ في قوله الشرَّاح كلُّهم مجازفةً عظيمةً؛ لأنَّه حين كتابته هذا الشَّرح لم يستمدَّ إلَّا مِن «الفتح» أو من [10] الكِرْمَانيِّ، ولم يراجع إلَّا [11] إلى «التَّلويح» و «التَّوضيح» ، وكلُّ شيء ينسبه إلى أيِّ مُصنَّف اتَّفق مِن شرَّاح البخاري إنَّما يتلقَّاه عنه مِن أحد الشُّيوخ [12] الثَّلاثة، فكيف يتوجَّه قوله الشرَّاح كلُّهم؟! والله المستعان.
…قوله الحديث الخامس تابعه عبد الله بن يوسف وأبو صالح.
…قال (( ح ) )هو عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أنَّه أبو صالح عبد الغفَّار بن داود الحرَّاني.
…قال (( ع ) )لم يتبيَّن لي وجهة [13] في التَّرجيح؛ لأنَّ البخاريَّ روى عن كليهما.
…قلت وما عليَّ إذا لم يمكن [14] انتزاعٌ له بأنَّ الذي جزمت به يترجَّح مِن أوجه
ص 24
أحدهما [15] كثرة رواية عبد الله بن صالح عن اللَّيث؛ لأنَّه كان كاتبه، واشتهر بملازمته بخلاف عبد الغفار.
…ثانيهما [16] كثرة إيراد البخاري الروايات المعلَّقة عن عبد الله بن صالح عن اللَّيث، وأخرج عنه مواضع يسيرةً موصولةً عن خلق [17] في بعضها، وأمَّا عبد الغفار فأخرج عنه شيئًا يسيرًا موصولًا ولم يخرج شيئًا معلَّقًا في سائر الكتاب.
…ومنها أنَّ رواية عبد الله بن يوسف وُجِدَت عند يعقوب بن سفيان في هذا الحديث بعينه أخرجه عنهما مقرونًا برواية اللَّيث. ذكر صاحب «الرَّوض» أنَّها ثلاثة أحاديث فقط. وقال الكَلابَاذي أخرج عنه في آخر البيوع وفي غزوة خيبر، ولم يرقِّم المِزِّيُّ في مشايخه [18] رقم البخاريِّ إلَّا على يعقوب بن عبد الرَّحمن.
…قلت والَّذي أخرجه عنه في الموضعين حديثٌ واحدٌ، وهو حديث عمرو بن أبي عمرو عن أنس في قصَّة صفيَّة بنت حُيَيٍّ وتزويجها ووليمته عليها بروايةٍ [19] في غزوة خيبر بابن وهب، وأفرده في آخر كتاب البيوع، ولم يخرِّج عنه عن اللَّيث شيئًا.
[1] في الأصل «ويكسب» ، وفي (س) «المعدوم» .
[2] زيادة من (س) .
[3] في الأصل و (س) و (د) «بالضم» .
[4] في (ظ) «كثير» .
[5] في (س) «انقطاع» .
[6] في (س) «فيوصف بالضد وهو البرد» .
[7] في (س) «بحمي» .
[8] في (س) «بتتابعه» .
[9] قوله (( والتواتر ) )زيادة من (س) .
[10] قوله «من» ليس في (س) .
[11] قوله (( إلا ) )زيادة من (س) .
[12] في (س) «الشروح» .
[13] في الأصل و (ظ) «وجهه» .
[14] في (س) «يكن» .
[15] في (ظ) «أحدها» .
[16] في (س) و (ظ) «ثانيها» .
[17] في (س) «على خلف» ، وفي (ظ) «عن خلف» .
[18] في (س) «مشائخه» .
[19] في (س) «بثريد» .