الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى أن هذه صفة المنافقين فلا تعارض بين القولين فهم أشحة في فعل الخير والنفقة على الفقراء والمساكين بالمال، وأشحة في الغنائم عند قسمة الأموال، وقد جاء الخير مفسرًا بالمال في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى كما في قوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا (180) } قال مجاهد: المال. وكما في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) } [العاديات: 8] قال مجاهد وابن زيد: المال. وكما في قوله تعالى: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي (32) } [ص: 32] قال مجاهد: المال. وكما في قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا (33) } [النور: 33] قال مجاهد: المال. وكما في قوله تعالى:: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ (84) } [هود: 84] قال الضحاك: الغني. [1]
وكما في قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) } [البقرة:215] فسره ابن جرير بالمال. [2] وكما في قوله تعالى: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ (49) } [فصلت:49] قال ابن جرير: والخير في هذا الموضع: المال وصحة الجسم. [3] وكما في قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) } [المعارج:21] قال ابن جرير: إذا كثر ماله. [4]
وروى ابن جرير عن ابن زيد، في قوله: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) } [العاديات: 8] قال: الخير: الدنيا; وقرأ: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ (180) } [البقرة:180] قال: فقلت له: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا (180) } : المال؟ قال: نعم، وأي شيء هو إلا المال؟ قال: وعسى أن يكون حراما، ولكن الناس يعدونه خيرا، فسماه الله خيرا، لأن الناس يسمونه خيرا في الدنيا، وعسى أن يكون خبيثا، وسمي القتال في سبيل الله سوءا، وقرأ قول الله: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ (174) } [آل عمران:174] قال: لم يمسسهم قتال; قال: وليس هو عند الله بسوء، ولكن يسمونه سوءا. [5] والقول في هذه المسألة كالقول في التي قبلها.
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) انظر: جامع البيان للطبري: (3/ 393 - 394) .
(2) نفس المصدر السابق: (4/ 292) .
(3) نفس المصدر السابق: (21/ 490) .
(4) نفس المصدر السابق: (23/ 611) .
(5) نفس المصدر السابق: (24/ 568) .