وفيها مسألة واحدة وهي: في حق من هذه الآية ومن المراد بها؟.
[مس:236]
قال ابن جزي رحمه الله تعالى: «فالمغفرة المذكورة في هذه الآية يحتمل أن يريد بها: المغفرة للكفار إذا أسلموا، أو للعصاة إذا تابوا، أو للعصاة وإن لم يتوبوا، إذا تفضل الله عليهم بالمغفرة. والظاهر أنها نزلت في الكفار، وأن المغفرة المذكورة هي لهم إذا أسلموا. والدليل على أنها في الكفار: ما ذكر بعدها إلى قوله: {قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59) } » . [1]
والمسألة فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الآية في حق الكفار إذا أسلموا.
وهذا القول مروي عن زيد بن أسلم كما عند ابن جرير قال في قوله: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (53) } قال: إنما هي للمشركين. [2]
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - كما عند البخاري أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قَتلوا وأَكثروا، وزنَوا وأكثروا، فأتوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحَسَنٌ لو تخبرُنا أَن لِمَا عَمِلنا كفارة. فنزل: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ (68) } [الفرقان: 68] ونزل: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (53) } . [3]
وعن عمر - رضي الله عنه - كما عند ابن جرير وأبي جعفر النحاس عن ابن عمر قال: قال يعني عمر: كنا نقول: ما لمن افتتن من توبة، وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئًا، تركنا الإسلام ببلاءٍ أصابنا بعد معرفته، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، أنزل الله فيهم: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (53) } ... الآية، قال عمر: فكتبتها بيدي، ثم بعثت بها إلى هشام
(1) التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي: ص (626 - 627) .
(2) تفسير الطبري (24/ 14) .
(3) صحيح البخاري (4/ 1809) .