[مس:263]
والآية فيها مسألة واحدة وهي: ما المراد بقوله تعالى {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ؟.
قال ابن جزي رحمه الله تعالى: «الخلق هنا: مصدر مضاف إلى المفعول، والمراد به الاستدلال على البعث، لأن الإله الذي خلق السموات والأرض على كِبَرها، قادرٌ على إعادة الأجسام بعد فنائها. وقيل: المراد توبيخ الكفار المتكبرين، كأنه قال: خَلْق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، فما بال هؤلاء يتكبرون على خالقهم، وهم من أصغر مخلوقاته وأحْقَرِهم. والأول أرجح، لوروده في مواضع من القرآن، لأنه قال بعده: {إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا (59) } فقدم الدليل ثم ذكر المدلول» . [1]
والمسألة فيها قولان:
القول الأول: أن المراد بهذه الآية: الاستدلال على البعث وإعادة الأجسام بعد فنائها. ولما كانت مجادلتهم في آيات الله مشتملة على إنكار البعث، وهو أصل المجادلة ومدارُها، وهو أكبر شبهة لهم، وروجوا لها بين عامَّتهِم فقالوا: {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (5) } [الرعد: 5] .
فكانوا يسخرون من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأجل ذلك {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (8) } [سبأ: 7، 8] . لما كانوا كذلك، حجهم بما كانوا مقرّين به من أن الله هو خالق السماوات والأرض، وأنّ بعْث الأموات لا يبلغ أمره مقدار أمر خلق السماوات والأرض، بالنسبة إلى قدرة الله تعالى.
وهذا عندما أنكرت قريشٌ البعث، كما قاله يحيى بن سلام. وهذا الدليل بقياس الأولى؛ وهو دليل عقلي يُسَلم به كل من له عقل ونظر، وهذا النوع من الأدلة في غاية الصحة والقوة، ولا يرتاب فيه عاقلٌ البتةَ. ولذا قال بعدها: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28) } فهم لا يتدبرون هذه الحجة ولا يتأملونها.
وممن ذكر نحو هذا المعنى من المفسرين:
(1) التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي: ص (637) .