[مس:206]
والآية فيها مسألة واحدة وهي: إلى أين تعود الإشارة في قوله تعالى {هَذَا ذِكْرٌ (49) } .
قال ابن جزي رحمه الله تعالى: «الإشارة إلى ما تقدم في هذه السورة من ذكر الأنبياء. وقيل: الإشارة إلى القرآن بجملته. والأول أظهر وكأن قوله: {هَذَا ذِكْرٌ (49) } ختام للكلام المتقدم، ثم شرع بعده في كلام آخر، كما يُتِمُّ المؤلف بابًا ثم يقول: فهذا باب، ثم يشرع في آخر» . [1]
والمسألة فيها قولان:
القول الأول: أن الإشارة تعود إلى ما تقدم في هذه السورة من ذكر الأنبياء.
قال الزمخشري: {هَذَا ذِكْرٌ (49) } أي: هذا نوع من الذكر وهو القرآن. لما أجرى ذكر الأنبياء وأتمه، وهو بابٌ من أبواب التنزيل؛ ونوعٌ من أنواعه، وأراد أن يذكر على عقبه بابًا آخر، وهو ذكر الجنة وأهلها. قال: هذا ذكر، ثم قال: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ (49) } كما يقول الجاحظ في كتبه: فهذا باب، ثم يشرع في باب آخر، ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر: هذا وقد كان كيت وكيت؛ والدليل عليه: أنه لما أتمّ ذكر أهل الجنة وأراد أن يعقبه بذكر أهل النار. قال: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ (55) } . ثم روى عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: هذا ذكر من مضى من الأنبياء. [2]
وذكر ابن عطية أن قوله: {هَذَا ذِكْرٌ (49) } يحتمل أن يكون إشارة إلى مدح من ذُكِر، وإبقاء الشرف له، فيتأيد بهذا التأويل قول من قال آنفًا: إن «الدار» يراد بها الدار الدنيا. [3] وبنحوه قال ابن الجوزي [4] والقرطبي. [5] وقال ابن كثير: أي: هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر. [6] وبين ابن عاشور أن هذا الأسلوب من أساليب العرب، ويسمى: «الاقتضاب» . ولهم فيه
(1) التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي: ص (617) .
(2) الكشاف (4/ 98) .
(3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 508) .
(4) زاد المسير (7/ 145) .
(5) تفسير القرطبي (15/ 219) .
(6) تفسير ابن كثير (4/ 40) .