طريقتان: الأولى: ذكر الخبر كقوله تعالى: {هَذَا ذِكْرٌ (49) } والثانية: أن يحذفوا الخبر لدلالة الإِشارة على المقصود، كقوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ (30) } (الحج: 30) أي: ذلك شأن الذين عمِلوا بما دعاهم إليه إبراهيم، وذكروا اسم الله على ذبائحهم، ولم يذكروا أسماء الأصنام، وقوله: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) } (ص:55) أي: هذا مآب المتقين، ومنه قول الكاتب: هذا وقد كان كَيْت وكَيْتتِ، وإنما صرح بالخبر في قوله: {هَذَا ذِكْرٌ (49) } للاهتمام بتعيين الخبر، وأن المقصود من المشار إليه التذكر والإقتداء. [1]
القول الثاني: أن الإشارة تعود إلى القرآن، على نحو ما في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ (44) } (الزخرف:44) .
قال ابن جرير: وقوله {هَذَا ذِكْرٌ (49) } يقول تعالى ذكره: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد، ذكر لك ولقومك، ذكرناك وإياهم به. ثم روى عن السديّ أنه قال: القرآن. [2]
وقال البغوي: {هَذَا ذِكْرٌ (49) } أي: هذا الذي يتلى عليكم ذكر، أي: شرف، وذكر جميل تُذْكرون به. [3] وكذا قال الزمخشري [4] وابن عطية [5] وابن كثير [6]
قال ابن عاشور: ومن هنا احتمل أن تكون الإِشارة بـ «هذا» إلى القرآن، أي القرآن ذِكر، فتكون الجملة استئنافًا ابتدائيًا للتنويه بشأن القرآن، رَاجعًا إلى غَرض قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) } (ص: 29) . [7]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى أن الضمير يصلح عوده على الأنبياء السابق ذكرهم، كما يصلح عوده على القرآن، لأن القاعدة تقول: إذا كان في الآية ضمير يحتمل عوده على أكثر من
(1) انظر: تفسير التحرير والتنوير (23/ 281) .
(2) تفسير الطبري (23/ 164) .
(3) تفسير البغوي (4/ 66) .
(4) الكشاف (4/ 98) .
(5) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 508) .
(6) تفسير ابن كثير (4/ 40) .
(7) تفسير التحرير والتنوير (23/ 285) .