الكلام على قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) }
[مس:101]
وفي هذه الآية مسألة واحدة وهي: ما المراد بقوله: {وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} .
قال ابن جزي رحمه الله تعالى: «يعني: الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل، وإنما قال الكفار هذه المقالة حين وقع عليهم الاحتجاج بما في التوراة من ذكر محمد - صلى الله عليه وسلم -. وقيل: «الذي بين يديه» : يوم القيامة، وهذا خطأ وعكس لأن الذي بين يدي الشيء هو ما تقدم عليه». [1]
والمسألة فيها قولان:
القول الأول: أن المراد بالذي بين يديه: الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل.
فروى ابن جرير عن قتادة قال: قال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه من الكتب والأنبياء. [2] وحكى الماوردي عن السدي أنه قال: التوراة، والإِنجيل. وعن قتادة قال: من الأنبياء والكتب [3] وكذا قال السمعاني. [4]
قال الزمخشري: يروى: أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتبهم، فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع ما تقدمه من كتب الله - عز وجل - في الكفر، فكفروا بها جميعًا. [5] وكذا قال ابن عطية: [6] ابن الجوزي. [7] والقرطبي. [8]
قال ابن عاشور: ومعنى {بَيْنَ يَدَيْهِ} القريب منه سواء كان سابقًا كقوله تعالى: {إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) } [سبأ:46] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (بعثت بين يدي الساعة) [9]
(1) التسهيل لابن جزي: ص (575) .
(2) تفسير الطبري (22/ 96) .
(3) النكت والعيون تفسير الماوردي (4/ 446) .
(4) أبو المظفر السمعاني: (4/ 334) .
(5) الكشاف (3/ 593) .
(6) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 421) .
(7) زاد المسير (6/ 453) .
(8) تفسير القرطبي 14/ 302).
(9) الحديث: صحيح. وتمامه: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبدالله تعالى وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم) . أخرجه أحمد في مسند عبدالله بن عمر: (10/ 405) ، وابن أبي شيبة: (4/ 575) ، والبيهقي في الشعب: (3/ 251) ، وعبد بن حميد: (2/ 467) ، والطبراني في مسند الشاميين للطبراني: (1/ 277) ، وقال الألباني: صحيح. انظر الحديث رقم (2831) في صحيح الجامع.