الكلام على قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14) }
[مس:95]
وفي هذه الآية مسألة واحدة وهي: معنى قوله { ... تَبَيَّنَتِ} .
قال ابن جزي رحمه الله تعالى: «من تبين الشيء إذا ظهر وما بعدها [يعني التاء] بدل من الجن والمعنى: ظهر للناس أن الجن لا يعلمون الغيب. وقيل: تبينت بمعنى: علمت، و «أن وما بعدها» مفعول به على هذه والمعنى: علمت الجن أنهم لا يعلمون الغيب وتحققوا أن ذلك بعد التباس الأمر عليهم. أو علمت الجن أن كفارهم لا يعلمون الغيب وأنهم كاذبون في دعوى ذلك». [1]
والمسألة فيها قولان:
القول الأول: أن التبين للناس. ومعنى الآية: انكشفت حقيقة الجن للناس وتبين لهم أنهم لا يعلمون الغيب. فروى ابن جرير عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كَانَ سُلَيمانُ نبيُّ اللهِ إذَا صَلَّى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها ما اسمك؟ فتقول كذا، فيقول لأي شيء أنت؟ فإن كانت تُغْرَسُ غُرسَت، وإن كان لدواءٍ كُتبتْ، فبينما هو يصلي ذاتَ يَومٍ إذ رأى شجرةً بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم عمِّ على الجن موتي؛ حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنَحَتَها عصا فتوكَّأ عليها حولا ميتًا، والجن تعمل، فأكلتها الأرضة، فسقط، «فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين» . قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجن للأرضة فكانت تأتيها بالماء. [2]
(1) التسهيل لابن جزي: ص (572) .
(2) الحديث: لا يصح مرفوعًا. وقد أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (11/ 442) ، والهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 203) ، والهندي في كنز العمال (2/ 17) ، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (10/ 284) ، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (4/ 439) ، وابن المبارك في الزهد والرقائق (3/ 108) . وقال الألباني في"السلسلة الضعيفة والموضوعة" (3/ 120) : ضعيف مرفوعا. ثم ذكر له إسنادًا آخر موقوفا على ابن عباس عند الحاكم وهو سند صحيح لا علة فيه، يشهد أن أصل الحديث موقوف كما رواه جرير عن عطاء، وهو الصواب، وهو الذي رجحه الحافظ ابن كثير في تفسيره: (6/ 503) فقال: وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفا، ثم قال: هذا الأثر والله أعلم إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وقف لا يصدق منه إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب. السلسلة الضعيفة (3/ 32) .