عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ (4) [الرعد:4] ويتضمن ذلك الاستدلال بخلق البحرين أنفسهما لأن ذكر اختلاف مذاقهما يستلزم تذكر تكوينهما. فالتقدير: وخلق البحرين العذب والأُجاج على صورة واحدة وخالف بين أعراضهما، ففي الكلام إيجاز حذف، وإنما قدم من هذا الكلام تفاوت البحرين في المذاق واقتصر عليه لأنه المقصود من الاستدلال بأفانين الدلائل على دقيق صنع الله تعالى. [1]
القول الثاني: أن الله ضرب بالبحرين الملح والعذب مثلين للمؤمن والكافر. وهذا المعنى ذكره الزمخشري في تفسيره. [2] والألوسي كذلك. [3]
الترجيح:
والقول الأول هو الراجح كما قال ابن جزي رحمه الله تعالى وذلك لقاعدتين:
الأولى: أن من ادعى في التنزيل ما ليس في ظاهره كلف البرهان على دعواه. [4]
الثانية: أن الأصل حمل نصوص الوحي على ظواهرها إلا لدليل.
ثم إن سياق الآية من أوله إلى آخره في مقام الامتنان، فإن الله تعالى قال: {سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) } فذكر الشراب وأكل اللحم الطري من البحر والحلي المستخدم في اللباس وحمل البحر للسفن الماخرة وابتغاء الرزق في هذا البحر كل ذلك لا يستقيم مع التأويل المذكور عن الزمخشري بحال. ومما يدل على أن هذا السياق للامتنان أنه ختم الآية بقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) } .
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) تفسير التحرير والتنوير (22/ 279) .
(2) الكشاف (3/ 614) .
(3) روح المعاني (22/ 200) .
(4) انظر: مختصر قواعد التفسير للسبت: ص (27) .