وقال ابن عطية: قال مجاهد: المراد بـ {أَهْلَ الْكِتَابِ} اليهود والنصارى الباقون على دينهم أمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم {إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} من الدعاء إلى الله تعالى والتنبيه على آياته، وأن يزال معهم عن طريق الإغلاظ والمخاشنة [1] وكذا قال القرطبي. [2] ولم يذكر ابن كثير والبغوي سوى هذا القول. [3]
قال الشيخ الشنقيطي: أمر الله جل وعلا نبيه - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية الكريمة: أن يجادل خصومه بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة: من إيضاح الحق بالرفق واللين. وعن مجاهد: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125) قال: أعرض عن أذاهم. وقد أشار إلى هذا المعنى في قوله: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت:46] أي إلاّ الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجادلهم بالسيف حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. [4]
قال السعدي: ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب، إذا كانت من غير بصيرة من المجادل، أو بغير قاعدة مرضية، وأن لا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولطف ولين كلام، ودعوة إلى الحق وتحسينه، ورد عن الباطل وتهجينه، بأقرب طريق موصل لذلك، وأن لا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق، إلا من ظلم من أهل الكتاب، بأن ظهر من قصده وحاله، أنه لا إرادة له في الحق، وإنما يجادل على وجه المشاغبة والمغالبة، فهذا لا فائدة في جداله، لأن المقصود منها ضائع. [5]
القول الثاني: أن المراد بهذا النوع من الجدال مع من أسلم من أهل الكتاب.
(1) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 320) .
(2) تفسير القرطبي (13/ 350) .
(3) تفسير ابن كثير: (1/ 46) . تفسير البغوي (3/ 466) .
(4) أضواء البيان (6/ 158) .
(5) تفسير السعدي (1/ 58) .