والجملة الأولى المراد بها: عذابهم في الدنيا، وعلى هذا فلا يكون من باب التأكيد، بل من باب التأسيس. [1]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى هو القول الأول، وهو ما رجحه ابن جزي عليه رحمة الله تعالى من أن الجملة الثانية مؤكدة للجملة الأولى، فالقرآن نزل بلسان العرب، ومن مذاهب العرب التي لا تجحد، واستعمالاتهم التي لا تنكر أنهم إذا أرادوا التأكيد كرّروا؛ وإذا أرادوا الاختصار أوجزوا، وقد استخدمه القرآن كقوله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) } الآيات و قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) } [الرحمن] وفي مثل قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) } (الشعراء: 191) وفي مثل قوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) } (المرسلات:15) ، وقد ثبت عن الصادق المصدوق، وهو أفصح من نطق بلغة العرب أنه كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاث مرات. [2] وجاء في أشعار العرب نحو هذا كثير، فمن ذلك:
قول الشاعر: ... يا لبكر انشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرار [3]
وقول الآخر: ... هلا سألت جموع كنـ ... ـدة يوم ولوا أين أينا [4]
وقول الآخر: نعم فاسلمى ثم اسلمى ثمت اسلمى ... ثلاث تحيات وإن لم تكلمى [5]
وقد ذكر الشيخ عطية سالم في تفسير سورة الكافرون في تتمة أضواء البيان كلامًا نفيسًا وشواهد كثيرة على هذا المعنى. [6]
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) فتح القدير (4/ 415) .
(2) والحديث عن البخاري عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سلم سلم ثلاثا وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا. صحيح البخاري (5/ 2305) .
(3) انظر البيت في ديوان مهلهل بن ربيعة (1/ 11) .
(4) والبيت لعبيد بن الأبرص الأسدي «جاهلي» انظر: الحماسة البصرية (1/ 82) .
(5) انظر البيت في ديوان الحماسة (2/ 144) .
(6) انظر: فتح القدير (5/ 507) ، وتتمة أضواء البيان (9/ 133) .