قال ابن الجوزي قوله تعالى: {وَحَاقَ بِهِمْ (48) } أي: نزل بهم {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48) } أي: ما كانوا يُنْكِرونه ويكذِّبون به. [1] وبنحوه قال القرطبي [2] وابن كثير [3] وابن عاشور. [4]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى هو القول الثاني وهو الذي رجحه ابن جزي عليه رحمة الله تعالى. وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أن القاعدة تقول: يقلل المقدر مهما أمكن لتقل مخالفة الأصل. والكلام بدون التقدير له وجه صحيح. [5]
الأمر الثاني: أن هذا الذي قلنا بترجيحه هو المتفق مع ما جاء في كتاب الله تعالى من صنيع هؤلاء الكافرين؛ فإنهم كانوا في الدنيا إذا سمعوا الوعيد بعذاب الله استعجلوا به استخفافًا واستهزاءًا، فكأنه قال لهم هذا الذي كنتم به تستهزئون في الدنيا قد شاهدتموه وتذوقونه وتصلونه على الحقيقة. ويدل على ذلك آيات كثيرة من كتاب الله تعالى منها قوله جل وعلا: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ (47) } (الحج: 47) وقوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) } (العنكبوت: 53) وقوله: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) } (العنكبوت: 54) وقوله: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) } (الأنفال: 32) وقوله: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) } (العنكبوت: 29) وقوله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) } (الأنعام: 10) وقوله: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ
(1) زاد المسير (7/ 187) .
(2) تفسير القرطبي (16/ 177) .
(3) تفسير ابن كثير (4/ 58) .
(4) تفسير التحرير والتنوير (23/ 352) .
(5) انظر: مختصر قواعد التفسير للسبت: ص (10) .