القول الثاني: أن المعني: اتبعوا الناسخ دون المنسوخ. وحكاه الماوردي عن ابن عيسى. [1] وممن ذكره من المفسرين: الخازن [2] والبيضاوي [3] وابن عادل. [4]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى ليس فيما ذكره ابن جزي عليه رحمة الله تعالى، فما ذكره ابن جزي وبعض المفسرين من أن المراد بقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ (55) } يعني اتبعوا القرآن. هذا غير صحيح، فما أنزل إلينا من ربنا هو القرآن وإذا كان كذلك فما فائدة قوله: {أَحْسَنَ} ؟. وهم قالوا ذلك هربًا من القول بأن القرآن متفاضل وأن فيه حسن وأحسن.
والصحيح هو ما تقرر عند الكلام على قوله تعالى في هذه السورة: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (18) } ، وقد ذكرت ما ذكره الشيخ الأمين رحمه الله من الأمثلة الكثيرة في كتاب الله تعالى والتي تضمنت الحسن والأحسن، كالانتقام من الظالم والعفو عنه، ونحو ذلك مما سبق بسطه.
وأما مسألة تفاضل القرآن فإن الأدلة من الكتاب والسنة متضافرة في ذلك، وأن القرآن فيه الحسن وفيه الأحسن، مثل ما ورد في فضل سورة الفاتحة، وآية الكرسي، والبقرة، وآل عمران، والمعوذتين، وقل هو الله أحد، ونحو ذلك، مما ليس هذا محل بسطه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأيضا فقد قال تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ (55) } وقال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (18) } وقال تعالى: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا (145) } [الأعراف] فدل على أن فيما أنزل حسن وأحسن، سواء كان الأحسن هو الناسخ الذي يجب الأخذ به، دون المنسوخ، إذ كان لا ينسخ آية إلا يأتي بخير منها أو مثلها أو كان غير ذلك. والقول بأن كلام الله
(1) النكت والعيون تفسير الماوردي (5/ 131) .
(2) لباب التأويل في معاني التنزيل (6/ 78) .
(3) تفسير البيضاوي (5/ 73) .
(4) اللباب في علوم الكتاب (16/ 531) .