الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى هو ما رجحه ابن جزي عليه رحمة الله تعالى، وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أن هذا مذهب عامة المفسرين ومنهم ابن عباس ترجمان القرآن.
الأمر الثاني: أن سياق الآيات يؤيد هذا، فإن الآيات متضمنة محاجة النبي - صلى الله عليه وسلم - للمشركين واستنكاره عليهم دعوتهم له لعبادة غير الله تعالى. والسياق مما يرجح به عند الاحتمال كما هو معلوم في قواعد التفسير.
الأمر الثالث: أن الذين قالوا بالقول الثاني وأن الضمير يعود إلى اليهود، استندوا على ما جاء في قصة اليهودي الذي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا أبا القاسم: أبلغك أن الله عز وجل يحمل الخلائق على إصبع، والسموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه، فأنزل الله عز وجل: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (67) } . [1] وهذا المستند غير مُسَلَّم، لأن الرواية التي في الصحيحين ليس فيها تصريح بالنزول، وإنما قال: ثم قرأ. وفي بعضها: ثم قال. وهذا هو الذي صوبه السيوطي في كتاب الإتقان. [2] ثم إن الآيات مكية وليس في مكة يهود.
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) والحديث كما في الصحيحين واللفظ للبخاري: عن عبدالله - رضي الله عنه - قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا محمد: إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: (أنا الملك) فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر. ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) } . صحيح البخاري (4/ 1812) ، وصحيح مسلم (4/ 2147) .
(2) الإتقان: (1/ 34) .