قال ابن عطية: والكاظم: الذي يرد غيظه، وجزعه في صدره، فمعنى الآية أنهم يطمعون برد ما يجدونه في الحناجر والحال تغالبهم. [1]
الترجيح: والراجح والعلم عند الله تعالى أن كل واحد من القولين عُبر به عن جزء من المعنى، ذلك أن الكظم متضمن لمعنى الرد والحبس كما قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ (134) } [آل عمران] وقد فسره ثعلب فقال: يعني الحابسين الغيظ لا يُجازُون عليه.
كما أنه متضمن لمعنى الغم، ورجل مكظوم وكَظِيم مكروب قد أَخذ الغمُّ بكَظَمه وفي التنزيل العزيز: {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) } [النحل] قال ابن الأنباري: والأصل في الكَظْم الإمساك على غيظ وغمٍّ. وهو أيضًا متضمن معنى الوجوم والسكوت، قال ابن منظور: والكُظوم السُّكوت وقوم كُظَّم أي ساكتون قال العجاج:
ورَبِّ أَسرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ ... عنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ [2]
وقد كُظِمَ وكَظَمَ على غيظه يَكْظِم كَظْمًا فهو كاظِمٌ وكَظيم: سكت، وفلان لا يَكْظِم على جِرَّتِه أي لا يسكت على ما في جوفه حتى يتكلم به.
والكظم مَخْرَج النفس يقال: كَظَمني فلان وأَخذ بكَظَمي. قال أَبو زيد وابن الأَعرابي: وأَخذ بكَظَمه أي: بحلقه ومَخْرجِ نَفَسه. [3]
وهذا فيه إشارة إلى ما ذكر الله جل وعلا في قوله: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ (18) } [غافر] فكأن القلوب قد ارتفعت لدى الحناجر وهم حابسوها وقد غلب عليهم الغم والكرب، فهم سكوت لا ينطقون، وكأن حلوقهم قد سدت من شدة الكظم في ذلك اليوم. وقد روى ابن جرير عن قتادة والسدي قالا: قد وقعت القلوب في الحناجر من المخافة، فلا هي تخرج ولا تعود إلى أمكنتها، نشبت في حلوقهم. [4] وبنحوه قال ابن عاشور. [5]
(1) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 552) .
(2) انظر: ادب الخواص - (1/ 26) ، وشرح أدب الكاتب - (1/ 140) .
(3) انظر: لسان العرب (12/ 519) تاج العروس (1/ 7880) بتصرف.
(4) تفسير الطبري (24/ 51) .
(5) تفسير التحرير والتنوير (24/ 114) .