وقال ابن الجوزي: إنه الرِّبا المحرَّم، قاله الحسن البصري [1] وكذا قال القرطبي. [2]
قال ابن عاشور: لما جرى الترغيب والأمر ببذل المال لِذَوي الحاجة وصلة الرحم وما في ذلك من الفلاح أعقب بالتزهيد في ضرب آخر من إعطاء المال لا يرضَى الله تعالى به وكان الربا فاشيًا في زمن الجاهلية وصدر الإسلام وخاصة في ثقيف وقريش. فلما أرشد الله المسلمين إلى مواساة أغنيائهم فقراءَهم أتبع ذلك بتهيئة نفوسهم للكف عن المعاملة بالربا للمقترضين منهم، فإن المعاملة بالربا تنافي المواساة لأن شأن المقترض أنه ذو خَلّة، وشأن المُقرِض أنه ذو جِدَة فمعاملته المقترِض منه بالربا افتراضٌ لحاجته واستغلال لاضطراره، وذلك لا يليق بالمؤمنين ... وقوله: {لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} خطاب للفريق الآخِذِ.
و {لِيَرْبُوَ} لتزيدوا، أي لأنفسكم أموالًا على أموالكم. وقوله: {فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} في: للظرفية المجازية بمعنى «من» الابتدائية، أي لتنالوا زيادة وأرباحًا تحصل لكم من أموال الناس، فحرف «في» هنا كالذي في قول سَبْرةَ الفقعسي:
ونَشْرَبُ فِي أثمانها ونُقامر [3]
أي نشرب ونقامر من أثمان إبلنا. وتقدم بيانه عند قوله تعالى {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} في سورة النساء ... وهذا التفسير هو المناسب لمحمل لفظ الربا على حقيقته المشهورة، ولموافقة معنى قوله تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276] ، ولمناسبة ذكر الإضعاف في قوله هنا {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) } وقوله: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} (آل عمران:130) . وهذا المعنى مروي عن السدّي والحسن. وقد استقام بتوجيهه المعنى من جهة العربية في معنى «في» من قوله: {فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} . [4]
القول الثاني: المراد أن يهب الرجل للرجل أو يهدي له ليعوض له أكثر من ذلك فهذا وإن كان جائزا فإنه لا ثواب فيه.
(1) زاد المسير (6/ 304) .
(2) تفسير القرطبي (14/ 36) .
(3) خزانة الأدب: (3/ 422) ، وصدره: نحابي بها أكفاءنا ونهينها.
(4) تفسير التحرير والتنوير (21/ 105) .