مرة أخرى إلى السماء صعودًا في قوله: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ (5) } فتبين من السياق أن الحديث عن نزول المَلَك بالقَدَر وصعوده، وأن ذلك كله {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ (5) } وكما هو معلوم أن دلالة السياق محكمة عند المفسرين عند ورود الإشكال في التفسير.
ثم لو أننا افترضنا أن المعنى هو: تقدير المقادير لألف عام، فما معنى قوله تعالى: {مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ (5) } ؟.
الأمر الثالث: أن منطوق الآية يدل على المقدار لا على التقدير، وثمة فرق بين المقدار والتقدير، قال ابن منظور:
وقدْرُ كل شيء ومِقْدارُه: مِقْياسُه وقَدَرَ الشيءَ بالشيء يَقْدُرُه قَدْرًا وقَدَّرَه قاسَه وقادَرْتُ الرجل مُقادَرَةً إِذا قايسته وفعلت مثل فعله. [1]
ثم إن أنواع التقدير كما ذكرها أهل العلم رحمهم الله تعالى أربعة أنواع:
الأول: التقدير الأزلي. ودليله قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب قال: يا رب و ما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة من مات على غير هذا فليس مني) . [2]
الثاني: التقدير العمري. ودليله حديث الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم: (أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما أو أربعين ليلة ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها) . [3]
(1) لسان العرب: (5/ 74) .
(2) الحديث: صحيح. الحديث أخرجه أبو داود في سننه (12/ 309) ، والترمذي في جامعه (8/ 51) ، والبيهقي في السنن الكبرى (10/ 204) ، والطيالسي في مسنده (2/ 107) ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (10/ 200) ، وصحيح الجامع الصغير (9/ 228) .
(3) الحديث: صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه: (22/ 466) ، ومسلم في صحيحه (13/ 100) .