الأمر الأول: أن ما ذكر من الأقوال لا يخلو من تكلف في التقدير، وأما ما جاء في الصحيحين من إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه لقي موسى ابن عمران فيعترضه عدة إشكالات:
أولًا: أن هذا الخبر صحيح ولكنه غير صريح في دلالته فليس ثمة رابطة تجمع بين الآية والحديث، ففي ليلة الإسراء والمعراج أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لقي الأنبياء في السماء الأولى والثانية والثالثة وهكذا، [1] فلم خص موسى في الآية من بين الأنبياء بعدم الامتراء في لقائه؟.
ثانيًا: أن ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى رَجُلًا آدَمَ طُوَالًا جَعْدًا كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَرَأَيْتُ عِيسَى رَجُلًا مَرْبُوعًا مَرْبُوعَ الْخَلْقِ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ سَبِطَ الرَّأْسِ وَرَأَيْتُ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ وَالدَّجَّالَ) . فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ {فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ (23) } . [2]
فقد بين أهل العلم أن الزيادة التي جاءت في آخر الحديث مدرجة من قول الراوي كما ذكر ذلك أهل التحقيق. قال النووي في شرحه على مسلم:
قَوْله: وَأُرِيَ مَالِكًا خَازِن النَّار وَالدَّجَّال فِي آيَات أَرَاهُنَّ اللَّه إِيَّاهُ {فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ (23) } . قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ يُفَسِّرهَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قَدْ لَقِيَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، هَذَا الِاسْتِشْهَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ (23) } هُوَ مِنْ اِسْتِدْلَال بَعْض الرُّوَاة. وَأَمَّا تَفْسِير قَتَادَةَ فَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَة مِنْهُمْ مُجَاهِد وَالْكَلْبِيّ وَالسُّدِّيُّ، وَعَلَى مَذْهَبهمْ مَعْنَاهُ فَلَا تَكُنْ فِي شَكٍّ مِنْ لِقَائِك مُوسَى. وَذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَأَصْحَاب الْمَعَانِي إِلَى مَعْنَاهَا فَلَا تَكُنْ فِي شَكّ مِنْ لِقَاء مُوسَى الْكِتَاب وَهَذَا مَذْهَب اِبْن عَبَّاس وَمُقَاتِل وَالزَّجَّاج وَغَيْرهمْ. [3]
(1) صحيح البخاري - (23/ 38) صحيح مسلم - (1/ 385) .
(2) صحيح البخاري (11/ 16) .
(3) شرح النووي على مسلم (1/ 297) .