قال ابن كثير: أولم يهد لهؤلاء المكذبين بالرسل ما أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية، بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم إياهم فيما جاؤوهم به من قويم السبل، فلم يبق منهم باقية ولا عين ولا أثر؟ {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) } [مريم:98] ولهذا قال: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ (26) } أي: وهؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين فلا يرون فيها أحدا ممن كان يسكنها ويعمرها، ذهبوا منها، {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا (92) } [الأعراف:92] كما قال: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا (52) } [النمل:52] وقال: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) } [الحج:45،46] . [1]
قال ابن عاشور: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ (26) } حال من فاعل {أَوَلَمْ يَرَوْا (27) } والمعنى: أنهم يمرون على المواضع التي فيها بقايا مساكنهم مثل حِجر ثمود وديار مدين فتعضد مشاهدةُ مساكنهم الأخبار الواردة عن استئصالهم وهي دلائل إمكان البعث. [2]
القول الثاني: أن الضمير للمهلكين أي: أهلكناهم وهم يمشون في مساكنهم.
قال ابن عطية: والضمير في {يَمْشُونَ} يحتمل أن يكون للمهلكين فـ {يَمْشُونَ} في موضع الحال، أي أهلكوا وهم ماشون في مساكنهم [3] وكذا قال القرطبي. [4]
الترجيح
والراجح والعلم عند الله هو القول الأول وذلك لعدة أمور:
(1) تفسير ابن كثير (3/ 464) .
(2) التحرير والتنوير (11/ 183) جميع المواضع التي في آخر السجدة محذوفة من التحرير في التراث.
(3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 357) .
(4) تفسير القرطبي (14/ 110) .