جوفه وقد جعل إبطال هذا الزعم تمهيدًا لإبطال ما تواضعوا عليه من جعْل أحدٍ ابنًا لمن ليس هو بابنه، ومِن جَعْل امرأة أمًّا لمن هي ليست أمه بطريقة قياس التمثيل، أي أن هؤلاء الذين يختلقون ما ليس في الخلقة لا يتورعُون عن اختلاق ما هو من ذلك القبيل من الأبوة والأمومة، وتفريعهم كل اختلاقهم جميع آثار الاختلاق، فإن البنوة والأمومة صفتان من أحوال الخلقة وليستا مما يتواضع الناس عليه بالتعاقد مثل الولاء والحلف. [1]
الترجيح:
أما القول الأول فلم يثبت أنه كان سببًا في نزول الآية، وأما القول الثاني فضعفه النحاس وقال: لا يصح في اللغة وهو من منقطعات الزهري. [2] وقد روى الطحاوي عن قابوس بن أبي ظبيان أن أباه حدثه قال: قلنا لابن عباس: أرأيت قول الله عز وجل: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ (4) } ما عنى بذلك؟ فقال: «كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يوما يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون أن له قلبين، قلبا معكم، وقلبا معهم؟ فأنزل الله عز وجل: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} وهذا القول هو الذي رجحه أبو جعفر الطحاوي، وأبو جعفر النحاس. [3] غير أن الألباني ضعف إسناده. [4]
قلت والراجح والعلم عند الله تعالى أن الآية تدل على أن الله جل وعلا ما خلق في جوف أحد قلبين، سواءً كانت الآية نزلت ردًا على جميل معمر وغيره أم لا. كما أنها مقدمة لإثبات نتيجة أراد القرآن تقريرها، وهي إبطال التبني والظهار، وكان أهل الجاهلية يصنعون ذلك. فالآية عامة يدخل فيها كل معنىً صالح تحتمله، إذ لم يثبت تخصيصها بشيء مما ذكر، فتبقى على عمومها. وهذا هو ما تقرره قواعد التفسير كما تقدم من أن اللفظ إذا كان محتملًا لأكثر من معنى فإن الآية تحمل على كل هذه المعاني.
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) تفسير التحرير والتنوير (21/ 255) .
(2) معاني القرآن (5/ 317) .
(3) مشكل الآثار للطحاوي: (7/ 400) .
(4) ضعيف سنن الترمذي: (1/ 403) .