واستحسن الشوكاني كلام ابن عطية وقال: ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإسلام من التشبه بأهل الجاهلية بقول أو فعل، فيكون المعنى: ولا تبرّجن أيها المسلمات بعد إسلامكنّ تبرّجًا مثل تبرّج أهل الجاهلية التي كنتنّ عليها، وكان عليها من قبلكنّ أي لا تحدثن بأفعالكنّ وأقوالكنّ جاهلية تشابه الجاهلية التي كانت من قبل. [1]
قال ابن عاشور: {الْجَاهِلِيَّةِ (33) } المدة التي كانت عليها العرب قبل الإسلام، وتأنيثها لتأويلها بالمُدة. والجاهلية نسبة إلى الجاهل لأن الناس الذين عاشوا فيها كانوا جاهلين بالله وبالشرائع، وقد تقدم عند قوله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ (154) } [آل عمران:154] .ووصفُها بالأولى وصف كاشف لأنها أولى قبل الإسلام، وجاء الإِسلام بعدها فهو كقوله تعالى: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) } [النجم: 50] وكقولهم: العشاء الآخرة، وليس ثمة جاهليتان أولى وثانية. ومن المفسرين من جعلوه وصفًا مقيِّدًا وجعلوا الجاهلية جاهليتين، فمنهم من قال:
الأولى هي ما قبل الإسلام وستكون جاهلية أخرى بعد الإسلام يعني حين ترتفع أحكام الإسلام والعياذ بالله. ومنهم من قال: الجاهلية الأولى هي القديمة من عهد ما قبل إبراهيم ولم يكن للنساء وازع ولا للرجال، ووضعوا حكايات في ذلك مختلفة أو مبالغًا فيها أو في عمومها، وكل ذلك تكلف دعاهم إليه حمل الوصف على قصد التقييد. [2]
القول الثاني: أن الجاهلية الأولى هي: ما بين آدم ونوح.
قال ابن جرير: عن الحكم: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (33) } قال: وكان بين آدم ونوح ثمانمائة سنة، فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء، ورجالهم حسان، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسه؛ فأنزلت هذه الآية: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [3] وكذا ذكر الماوردي [4] وابن عطية [5]
(1) فتح القدير (4/ 278) .
(2) تفسير التحرير والتنوير (4/ 136) .
(3) تفسير الطبري (21/ 157) .
(4) النكت والعيون تفسير الماوردي (4/ 400) .
(5) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 523) .