الثانية: أن زوجاته اللاتي في حياته لم يكنَّ محرمات عليه، وإنما حرم عليه التزويج بالأجنبيات فانصرف الإحلال إليهن، ولأنه قال في سياق الآية {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ (50) } الآية. ومعلوم أنه لم يكن تحته أحد من بنات عمه ولا من بنات عماته ولا من بنات خاله ولا من بنات خالاته، فثبت أنه أحل له التزويج بهذا ابتداء. [1]
قال ابن كثير: فلما اخترن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان جزاؤهن أن قَصَره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن، ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حرج عليه فيهن. ثم إنه تعالى رفع عنه الحجر في ذلك ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تَزَوّج لتكون المنة للرسول - صلى الله عليه وسلم - عليهن. ثم ذكر الأثر المروي عن عائشة وأم سلمة وأنه لم يمت حتى أحل الله له النساء. قال: فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة، كآيتي عدة الوفاة في البقرة، الأولى ناسخة للتي بعدها، والله أعلم. [2]
القول الثاني: إن قوله تعالى {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ (52) } ناسخة لقوله {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ (50) } وهذا هو ترجيح ابن جزي. وقال ابن عطية: ونَسَخَ بذلك ما أباحه له قبل من التوسعة في جميع النساء. [3] وجوزه ابن عاشور. [4]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى أنه إن كان في الآية نسخ فإن الناسخ هو قوله تعالى { ... إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ (50) } وتقدم التلاوة غير مانع من النسخ، وما ذكره القرطبي من أدلة عقلية هو المتوجه، وهذا هو المتفق مع ما مَرَّ في المسألة السابقة، وهو الذي تأتلف به أقوال السلف.
فيكون ما جاء عن ابن عباس من قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أزواجه التسع جزاء اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة منصرف إلى قوله تعالى {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ (52) } أي من بعد
(1) تفسير القرطبي (14/ 206) .
(2) تفسير ابن كثير (3/ 503) .
(3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 393) .
(4) تفسير التحرير والتنوير (22/ 57) .