الأمر الثاني: أن أهل اللغة ذكروا أن الرجاء يأتي بمعنى الخوف ويأتي على بابه، ولكنه لا يكون بمعنى الخوف إلا مع الجحد. فنقل ابن منظور عن الفراء قال: الرجاء في معنى الخوف لا يكون إلا مع الجحد، تقول: ما رجوتك أي: ما خفتك؛ ولا تقول: رجوتك في معنى خفتك. وأنشد لأبي ذؤيب:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوبٍ عواسل. [1]
قال الفراء: رجا في موضع الخوف إذا كان معه حرف نفي، ومنه قول الله - عز وجل - {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) } (نوح: 13) المعنى: لا تخافون لله عظمة. قال الراجز:
لا ترتجي حين تلاقي الذائدا ... أسبعة لاقت معًا أو واحدًا [2]
قال: وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} (النساء: 104) معناه تخافون. قال: ولم نجد معنى الخوف يكون رجاءً إلا ومعه جحد، فإذا كان كذلك كان الخوف على جهة الرجاء والخوف، وكان الرجاء كذلك، كقوله - عز وجل: {لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} (الجاثية:14) هذه للذين لا يخافون أيام الله، وكذلك قوله تعالى: {لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) } وأنشد بيت أبي ذؤيب: ... إذا لسعته النحل لم يرج لسعها.
قال: ولا يجوز رجوتك وأنت تريد خفتك، ولا خفتك وأنت تريد رجوتك، وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} (الفرقان:21) أي: لا يخشون لقاءنا. قال ابن بري: كذا ذكره أبو عبيدة. [3]
ولما كان القرآن عربيًا فإن من قواعد تفسيره أن يُسْلك به في الاستنباط والاستدلال مسلك العرب في تقرير معانيها. [4]
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) تقدم في في ص: (24) .
(2) لسان العرب لابن منظور: (14/ 310) . والبيت ذكره المعافى بن زكريا في كتاب الجليس الصالح والأنيس الناصح (1/ 430) ، وهو في القرن الرابع الهجري.
(3) لسان العرب: (14/ 310) .
(4) مختصر قواعد التفسير للسبت: ص (5) .