الأمر الثاني: أنه بإجماع العقلاء أن موضع الزينة في المرأة هو الوجه، وأبرز ما في الوجه العينان، وإذا كان السبب من الحجاب هو ستر مواضع الفتنة لزم حينئذ التسليم بأن الوجه والعينان هما أوجب ما يجب على المرأة ستره عن الرجال الأجانب.
الأمر الثالث: أن المعهود من صنيع نساء أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وزوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - هو التستر الكامل عن الرجال، ومن قال إن هذا خاص بأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد أبعد النجعة.
فقد روى البخاري رحمه الله في صحيحه في باب: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ (31) } . عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ (31) } [النور: 31] شققن مروطهن فاختمرن بها.
وعنها أنها كانت تقول: لما نزلت هذه الآية: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ (31) } أخذن أُزرَهُنَّ فَشَقَّفْنها من قِبَل الحواشي، فاختمرن بها. [1]
قال الحافظ ابن حجر: قوله: «فاختمرن» : أي غطين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار. [2]
وذكر ابن حجر في الفتح عن ابن أبي حاتم أنه روى عن صفية ما يوضح ذلك، ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن فقالت: إن لنساء قريش لفضلا، ولكن والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا بكتاب الله ولا إيمانًا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ (31) } [النور: 31] فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان.
قال الشيخ الأمين الشنقيطي معلقا: فترى عائشة رضي الله عنها مع علمها، وفهمها وتقاها أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرحت بأنها ما رأت أشد منهن تصديقًا بكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل. وهو دليل واضح على أن فهمهن لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى:
(1) صحيح البخاري - (14/ 414) .
(2) فتح الباري لابن حجر - (13/ 270) .