الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى هوا ما اختاره ابن جزي رحمه الله تعالى من أن المراد بقوله: {يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ (10) } أي: سبحي معه، وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أن هذا الحرف في هذه الآية محمول على ما جاء في مواضع أخرى فيها أمر الله تبارك وتعالى للجبال والطير بأن تسبح معه، قال تبارك وتعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) } [ص:18] وفي الآية الأخرى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) } (الأنبياء: 79) والقرآن يفسر بعضه بعضًا. وهذا من أعلى مراتب التفسير وهو تفسير القرآن بالقرآن.
الأمر الثاني: أنه لا تعارض بين القول الأول والقول الثالث، فداود كان يسبح وكانت الجبال والطير ترجع وراءه التسبيح وتردد وتنوح بالتسبيح بعده فيصح أن تقول إن الجبال تسبح معه، ويصح أن تقول: ترجع وتنوح معه بالتسبيح ولا فرق وأما القول الثاني وهو القول بأن المراد سيري معه، فغير متجه وهو بعيد عن معنى الآية، ومن قال به من المفسرين فإنما أراد به كما قال القتيبي: أصله من التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلا كأنه قال أوِّبي النهار كله بالتسبيح معه. [1]
الأمر الثالث: أن هذا هو قول جماهير المفسرين وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وابن قتيبة وغيرهم، وأما القول الثاني لم يقل به سوى الحسن البصري ومن ذكره فهو محمول على أن المراد أن تسبح معه طيلة النهار. وبهذا تتفق جميع الأقوال، وعلى هذا تحمل عبارات المفسرين ويزول الإشكال بحمد الله تعالى، ويعود معناها جميعًا إلى القول الذي رجحه ابن جزي رحمه الله تعالى.
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) تفسير البغوي (3/ 549) .