المسافات وهو لا يشعر، فملوا نعمة الله وكفروها ولم يشكروها {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا (19) } .
وهذا السياق يدل على أن معنى ظاهرة: أي بارزة للعيان، لأن هذا هو الأبلغ في مقام الامتنان، ولما بطروا نعمة الله قالوا {بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا (19) } وهذا مما يبين معنى الآية.
الأمر الثاني: وهو مستنبط من السياق أيضًا ويؤكذ هذا المعنى: قوله تعالى: {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ (18) } فقد جعل الله بين كل قرية وقرية من المسافة بقدر ما يقطعه المسافر من غير تعب ولا حاجة لحمل زاد ومتاع؛ ثم إنهم بَطروا هذه النعمة -كما قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن -وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحَرُور والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض، من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في مَنّ وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة. [1]
الأمر الثالث: أن قول ابن عطية معنى {ظَاهِرَةً (18) } أي: خارجة عن المدن، وأن ذلك عبارة عن القرى الصغار التي هي في ظواهر المدن. هذا لا يتعارض مع ما رجحناه بل هو متفق معه، فإن القرى الصغيرة لا تكون إلا خارج المدن على طريق المسافرين، ويصدق عليها إطلاق الظهور بمعنى معاينة كل قرية من أختها.
الأمر الرابع: أن هذا هو قول جمهور المفسرين، وإذا تظافرت أقوال المفسرين على قول فلا ريب في تقديمه.
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) تفسير ابن كثير (3/ 528) .