هذا فإن القرآن إنما يحمل على المشهور المستفيض لا على الشاذ والقليل كما هو متقرر في قواعد التفسير. [1]
قال ابن منظور: وأَسَرَّ الشيء كتمه وأَظهره وهو من الأَضداد سرَرْتُه كتمته وسررته أَعْلَنْته، والوجهان جميعًا يفسران في قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ (33) } قيل: أَظهروها. وقال ثعلب: معناه أَسروها من رؤسائهم. قال ابن سيده: والأَوّل أَصح.
قال الجوهري: وكذلك في قول امرئ القيس لو يُسِرُّون مَقْتَلِي قال وكان الأَصمعي يرويه لو يُشِرُّون بالشين معجمة أَي يُظهرون ... [قال] أَبو عبيدة: أَسررت الشيء أَخفيته وأَسررته أَعلنته ومن الإِظهار قوله تعالى {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ (33) } أَي: أَظهروها وأَنشد للفرزدق:
فَلَمَّا رَأَى الحَجَّاجَ جَرَّدَ سَيْفَه ... أَسَرَّ الحَرُورِيُّ الذي كان أَضْمَرا.
قال شمر: لم أَجد هذا البيت للفرزدق، وما قال غيرُ أَبي عبيدة في قوله: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ (33) } أَي: أَظهروها. قال: ولم أَسمع ذلك لغيره.
قال الأَزهري: وأَهل اللغة أَنكروا قول أَبي عبيدة أَشدّ الإِنكار. وقيل أَسروا الندامة يعني الرؤساء من المشركين أَسروا الندامة في سَفَلَتِهم الذين أَضلوهم وأَسروها أَخْفَوْها وكذلك قال الزجاج وهو قول المفسرين. [2]
الأمر الثاني: أن ما ذكره ابن عاشور من أن الذي جرَّ على تفسير «أسرّوا» بمعنى «أظهروا» هنا هو ما يقتضي إعلانهم بالندامة في مثل قولهم: {لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) } [سبأ:31] . ومثل قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) } [الفرقان:27] .فهذا قد يحمل على أنهم يظهرونها في مواضع ويخفونها في مواضع فإن يوم القيامة طويل ومتضمن مواقف عديدة، بحسب حال الموقف.
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) انظر: مختصر قواعد الترجيح للسبت: ص (5) .
(2) لسان العرب (4/ 356) .