وأما ابن عطية فأنكره، وقال: «ولم يثبت قط في اللغة أن «أسرّ» من الأضداد». قلت: وفيه نظر. وقد عد هذه الكلمة في الأضداد كثير من أهل اللغة وأنشد أبو عبيدة قول الفرزدق:
ولما رأى الحجاجَ جرَّد سيفه ... أسرّ الحَروريُّ الذي كان أضمرا
وفي كتاب «الأضداد» لأبي الطيب الحلبي قال أبو حاتم: ولا أثق بقول أبي عبيدة في القرآن ولا بقول الفرزدق، والفرزدق كثير التخليط في شعره. وذكر أبو الطيب عن التَّوزي أن غير أبي عبيدة أنشد بيت الفرزدق.
والذي جرَّ على تفسير «أسرّوا» بمعنى «أظهروا» هنا هو ما يقتضي إعلانهم بالندامة من قولهم: {لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [سبأ:31] . وفي آيات أخرى مثل قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) } [الفرقان:27] الآية. والندامة: التحسُّر من عمل فات تداركه. وقد تقدمت عند قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) } [المائدة:31] . [1]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى هو ما رجحه ابن جزي وأن معنى الآية محمول على ظاهرها فالمراد بالإسرار هو الإخفاء. وذلك لأن الأصل حمل نصوص الوحي على ظواهرها إلا لدليل.
وأما القول الثاني فالذي يظهر لي والله أعلم أنه غير متجه وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أن معتمد أصحاب القول الثاني في كون «أسر» من الأضداد هو البيت المنسوب للفرزدق، والبيت المحرف لامرئ القيس. فأما بيت الفرزدق فلم أعثر عليه، وقد أنكره بعض أهل اللغة، وأما بيت امرئ القيس فليس لهم فيه حجة لأنه بالشين وليس بالسين و «يشرون» معناها يظهرون. إذا علمت هذا تبين لك أن من قال بأنها من الأضداد فإنما نظر إلى أحد هذين الدليلين، وهما ضعيفان لا يكفيان لتفسير القرآن، وعلى فرض أنه ثبت شيء من
(1) تفسير التحرير والتنوير (22/ 210) .