الترجيح:
القول الثاني والثالث يرجعان إلى قول واحد وهو أن هذا الفزع يكون للمشركين عند الموت غير أن أصحاب القول الثالث خصوه بما حصل للمشركين بدلالة سياق الآيات، ولذا قال ابن جرير: والذي هو أولى بالصواب في تأويل ذلك، وأشبه بما دل عليه ظاهر التنزيل قول من قال: وعيد الله المشركين الذين كذبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قومه، لأن الآيات قبل هذه الآية جاءت بالإخبار عنهم وعن أسبابهم، وبوعيد الله إياهم مغبته، وهذه الآية في سياق تلك الآيات، فلأن يكون ذلك خبرًا عن حالهم أشبه منه بأن يكون خبرًا لما لم يجر له ذكر. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ولو ترى يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، فتعاينهم حين فزعوا من معاينتهم عذاب الله {فَلَا فَوْتَ (51) } يقول: فلا سبيل حينئذٍ أن يفوتوا بأنفسهم، أو يعجزونا هربًا، وينجوا من عذابنا. [1]
والراجح والعلم عند الله تعالى أن الآية تعم جميع ما ذكر من أقوال، فكل من أعرض عن منهج الله فإنه يناله من الفزع بقدر ما ابتعد عن منهج الله جل وعلا، وهذا هو هول المطلع، ومشاهدة الحقيقة، حينما يدرك الكفار زيف ما كانوا عليه وأنهم كانوا في غرور، وهذا من جنس ما حصل لفرعون عندما أغرقه الله فقال: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) } فقال الله له: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) } (يونس:90 - 91) ومن مات من المشركين يوم بدر بسيوف المسلمين أو بسيوف الملائكة لا شك أنه داخل في مثل هذا دخولًا أوليًا.
ثم إن الموت هو القيامة الصغرى لكل إنسان، لأنه حينها يشاهد الحقيقة، ومن مات فقد قامت قيامته، وبهذا يتضح أن جميع الأقوال تحتملها الآية فالفزع يحصل للمشركين عند موتهم ولأهل بدر على وجه الخصوص ويوم القيامة، على النقيض من حال المؤمنين الذين قال الله فيهم: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) } (الأنبياء: 103) .
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) تفسير الطبري (22/ 107) .