القول الثالث: حيل بينهم وبين نعيم الدنيا والرجوع إليها.
قال الماوردي: حيل بينهم وبين الدنيا، قاله مجاهد. [1] وبنحوه ذكر السمعاني. [2] والبغوي. [3] وابن عطية. [4] وابن الجوزي وحكاه عن ابن عباس. [5]
قال ابن كثير: قال مجاهد: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ (54) } من هذه الدنيا، من مال وزهرة وأهل. وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر والربيع بن أنس. وهو قول البخاري وجماعة. والصحيح: أنه لا منافاة بين القولين؛ فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه. [6]
قال ابن عاشور: أي: وحَال زَجُّهم في النار بينهم وبين ما يأملُونه من النجاة بقولهم: {آَمَنَّا بِهِ} . وما يشتهونه هو النجاة من العذاب، أَوْ عودتهم إلى الدنيا؛ فقد حُكي عنهم في آيات أُخرى أنهم تمنَّوه {فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) } [الأنعام:27] {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ (37) } [فاطر:37] . [7]
الترجيح:
والقول في هذه المسألة كالقول في المسألة التي قبلها تمامًا، ولا منافاة بين الأقوال كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى، فمن قال إن الفزع والأخذ يكون يوم القيامة قال إن الذي حيل بينهم وبينه دخول الجنة، ومن قال إن ذلك يكون في الدنيا عند الموت قال: جاز على قوله هذا أن يكون ما حيل بينهم وبينه حينئذٍ هو التوبة والإيمان أو بينهم وبين نعيم الدنيا وملذاتها وشهواتها. فالأول يدل عليه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبول التوبة من العبد مالم تبلغ الروح الحلقوم فإذا بلغت الحلقوم فحينئذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا
(1) النكت والعيون تفسير الماوردي (4/ 457) .
(2) أبو المظفر السمعاني (4/ 343) .
(3) تفسير البغوي (3/ 563) .
(4) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 427) .
(5) زاد المسير (6/ 461) .
(6) تفسير ابن كثير (3/ 546) .
(7) تفسير التحرير والتنوير (22/ 245) .