التذكر. وممن نقله عنه الماوردي [1] والسمعاني [2] والبغوي [3] وابن عطية. [4]
الترجيح: والراجح والعلم عند الله تعالى هو القول الأول، وهو ما رجحه ابن جزي عليه رحمة الله جل وعلا، وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أنه قد ورد فيه نص صريح صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة بلفظ: (أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً) .وهذا الإعذار يتفق كماله مع الستين أكثر من اتفاقه مع سن الأربعين، فإن من بلغ الستين غالبًا يكون قد خارت قواه، ومن كان كذلك فإن دواعي الشهوة تكون ضعيفة، وشعوره بقرب الأجل متحتم فيكون ذلك زاجرًا له ورادعًا وداعيًا له لأن يرعوي ويعود إلى صوابه ورشده، ويستعد للقاء ربه. وهذا أبلغ في الإعذار من جهة الرب تبارك وتعالى.
وأما صاحب الأربعين ففي كمال الأشد وعنفوان القوة، وهذا في الغالب تكون دواعي الشهوة لديه قوية، والمؤاخذة مع توفر الدواعي ليست كالمؤاخذة مع انعدامها، ألم تر حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر) . [5] وإذا تأملت في هذا الحديث وجدت أن هؤلاء الثلاثة شدد الله عليهم العقوبة لأنهم وقعوا في هذه الذنوب مع ضعف الدافع.
الأمر الثاني: أن هذا هو قول الأكثرين من أئمة التفسير وهو قول علي وأبي هريرة وابن عباس في الرواية الصحيحة عنه كما قال ابن كثير، وترجم البخاري في صحيحه بقوله: باب قد أعذر الله إلى رجل بلغه ستين سنة. وفقه البخاري كما هو معلوم في تراجمه، ورجحه ابن كثير في تفسيره. وقبل ذلك كله ورود الحديث الصحيح في هذا المعنى يقطع كل مأخذ.
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) النكت والعيون تفسير الماوردي (4/ 476) .
(2) السمعاني (4/ 361) .
(3) تفسير البغوي (3/ 573) .
(4) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 441) .
(5) الحديث: صحيح أخرجه مسلم في صحيحه: (1/ 279) .