قال ابن عاشور: ولما كانت «لما» ظرفًا مبهمًا، تعين أن يكون مضمون الجملة التي تضاف إليها «لما» ، معلومًا للسامع، إذ التوقيت الإعلام بمقارنة زمن مجهول بزمن معلوم. فوجود «لما» هنا، يقتضي أن مجيء الملائكة بالبشرى أمرٌ معلومٌ للسامع، مع أنه لم يتقدم ذكر للبشرى، فتعين أن يكون التعريف في البشرى تعريف العهد لاقتضاء «لما» أن تكون معلومة، فالبشرى هي ما دل عليه قوله تعالى آنفًا {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} (العنكبوت: 27) . [1]
القول الثاني: أن المراد بالبشرى: نصرهم لسيدنا لوط - عليه السلام -.
وهو محكي عن قتادة في قوله {بِالْبُشْرَى} قال: حين أخبروه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط. [2]
قال ابن عطية: فجاءوا إبراهيم - يعني الملائكة - أولًا مبشرين بإسحاق ومبشرين بنصرة لوط على قومه ... فلفظة البشرى في هذه الآية تتضمن أمر إسحاق ونصرة لوط. [3]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى هو ما رجحه ابن جزي عليه رحمة الله من أن المراد بالبشرى: هو تبشير إبراهيم عليه السلام بالولد، وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أن هذا تفسير القرآن، وهو أعلى مراتب التفسير؛ ففي سورة هود قال الله: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) } (هود: 71) وفي الصافات قال الله: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) } (الصافات: 101) وفي سورة الحجر قال الله: {قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) } (الحِجْر: 53) وفي الذاريات قال الله: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) } (الذاريات: 28) فمن ضوابط التفسير أن اللفظ قد يحتمل معنيين في موضع ولكنه يعين في موضع آخر. [4]
(1) تفسير التحرير والتنوير (20/ 236) .
(2) المصدر السابق.
(3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 307) .
(4) مختصر قواعد التفسير للسبت: ص (26) .