قال ابن كثير: يعني بهم: العرب؛ فإنه ما أتاهم من نذير من قبله. وذِكْرُهم وحدهم لا ينفي مَنْ عداهم كما زعمه بعض النصارى، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم. وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته، - صلى الله عليه وسلم - عند قوله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (158) } [الأعراف:158] . [1]
قال ابن عاشور: والقوم الموصوفون بأنهم لم تنذر آباؤهم: إما العرب العدنانيون فإنهم مضت قرون لم يأتهم فيها نذير، ومضى آباؤهم لم يسمعوا نذيرًا، وإنما يُبتدأ عدُّ آبائهم من جدّهم الأعلى في عمود نسبهم الذين تميزوا به جذمًا وهو عدنان، لأنه جذم العرب المستعربة [2] أو أريد أهل مكة. [3]
الترجيح:
يتبين من خلال ما مضى أن القول الصواب والعلم عند الله تعالى هو: أن المراد بذلك قريش ويدخل معهم سائر العرب والأمم وليس الخطاب لقريش وحدهم فقط وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أن سياق الآية يدل على أن الله أرسل نبيه - صلى الله عليه وسلم - لينذر قومًا ما أنذر آباؤهم، وهذا الوصف غير مختص بقريش وإنما يشترك فيه معهم سائر العرب وإنما بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بإنذار عشيرته الأقربين لكونهم حوله لا لاختصاص النذارة بهم وحدهم وهذا مما لا شك فيه لعالمية رسالته - صلى الله عليه وسلم -.
الأمر الثاني: أن التنصيص على إنذار القوم الذين لم ينذر آباؤهم من باب التنصيص على بعض أفراد العام، وليس المقصود منه تخصيص قريش وحدهم أو العرب وحدهم، لقوله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (158) } [الأعراف: 158] .
(1) تفسير ابن كثير (3/ 564.
(2) قال ابن منظور: والجِذْمُ بالكسر أَصل الشيء وقد يفتح وجِذْمُ كل شيء أَصلُه والجمع أَجْذامٌ وجُذُومٌ وجِذْمُ الشجرة أَصلُها وكذلك من كل شيء وجِذْمُ القوم أَصلُهم. لسان العرب (12/ 86) .
(3) التحرير والتنوير (22/ 330) .