وهذا ما رجحه ابن جرير وحكاه عن بعض نحويي البصرة وأنها على الجحد أحسن. [1]
وقال مكي القيسي: «ما» حرف نفي لأن آباءهم لم ينذروا برسول قبل محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم حكى القول الثاني بصيغة التمريض. [2] وكذا صنع أبو البقاء العكبري [3] وابن الجوزي كما تقدم وهو ظاهر سياق ابن كثير. وحكاه النسفي عن الجمهور. [4]
ورجح الشنقيطي النفي فقال:
لفظة «ما» في قوله تعالى: { ... مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ (6) } قيل: نافية. وهو الصحيح. وقيل: موصولة، وعليه فهو المفعول الثاني لتنذر. وقيل: مصدرية. [5]
الأمر الثاني: أن هذا هو المذكور في آيات أخر من كتاب الله تعالى مثل قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) } (القصص: 46) وقوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) } (السجدة: 3) وقوله: {وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) } (سبأ: 44) .فيحمل الحرف في هذا الموضع على المعنى في الآيات الأخرى من القرآن.
الأمر الثالث: أنه عقب على ذلك بقوله: {فَهُمْ غَافِلُونَ (6) } فدل على أن المراد بالآية النفي. قال الشيخ الأمين: وإنّ مما يدل على ذلك ترتيبه بالفاء عليه قوله بعده: {فَهُمْ غَافِلُونَ (6) } ولأن كونهم غافلين يناسب عدم الإنذار، لا الإنذار، وهذا هو الظاهر مع آيات أخر، دالة على ذلك. [6]
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) تفسير الطبري (22/ 151) .
(2) مشكل إعراب القرآن ص (599) .
(3) التبيان في إعراب القرآن (2/ 1079) .
(4) تفسير النسفي (3/ 346) .
(5) أضواء البيان (6/ 282) .
(6) نفس المصدر السابق.