فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 972

الأمر الثالث: أن هذا هو ترجيح المحققين من المفسرين: فممن رجح هذا القول: الرازي حيث قال: وهو الأقوى وأشد مناسبة لما تقدم وهو أن ذلك كناية عن منع الله إياهم عن الاهتداء. [1] وهو ترجيح الثعالبي [2] وقال ابن عطية: وهذا أرجح الأقوال لأنه تعالى لما ذكر أنهم {لَا يُؤْمِنُونَ} بما سبق لهم في الأزل عقب ذلك بأن جعل لهم من المنع وإحاطة الشقاوة ما حالهم معه حال المغللين. [3]

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:

والمراد بالآية الكريمة: أن هؤلاء الأشقياء الذين سبقت لهم الشقاوة في علم الله المذكورين في قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) } صرفهم الله عن الإيمان صرفًا عظيمًا مانعًا من وصوله إليهم، لأن من جعل في عنقه غلّ، وصار الغل إلى ذقنه، حتى صار رأسه مرفوعًا لا يقدر أن يطأطئه، وجُعل أمامه سدّ، وخلفه سدّ، وجُعل على بصره الغشاوة لا حيلة له في التصرف، ولا جَلْب نفعٍ لنفسه، ولا في دفع ضرّ عنهم، فالذين أشقاهم الله بهذه المثابة لا يصل إليهم خير ...

وقد قدمنا أن هذا الطبع والختم على القلوب وكذلك الأغلال في الأعناق، والسدّ من بين أيديهم ومن خلفهم، أن جميع تلك الموانع المانعة من الإيمان، ووصول الخير إلى القلوب أن الله إنما جعلها عليهم بسبب مسارعتهم، لتكذيب الرسل، والتمادي على الكفر، فعاقبهم الله على ذلك، بطمس البصائر والختم على القلوب والطبع عليها، والغشاوة على الأبصار، لأن من شؤم السيئات أن الله جلّ وعلا يعاقب صاحبها عليها بتماديه على الشرّ، والحيلولة بينه وبين الخير وجزاه الله بذلك على كفره جزاء وفاقًا.

والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ (155) } [النساء: 155] فالباء سببية، وفي الآية: تصريح منه تعالى أن سبب ذلك الطبع على قلوبهم هو كفرهم، وكقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ (3) } [المنافقون: 3] ومعلوم أن الفاء

(1) التفسير الكبير (26/ 40) .

(2) تفسير الثعالبي (8/ 121) .

(3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 449) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت