فهرس الكتاب

الصفحة 437 من 972

فيها. [1] وما جاء من أخبار عن بني إسرائيل في هذا المقام فلا تصدق ولا تكذب، وما كان كذلك فلا يصلح للتفسير والبيان في شيء. ولذا فإن الواجب هو أخذ العبرة مما جاء به القرآن وما لم يرد فيه بيان فلا نتكلف معرفته إذ لا فائدة فيه.

ولذا فقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عند المسيح، عليه السلام، كما نص عليه قتادة وغيره، وهو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره، ثم بين رحمه الله أن في هذا نظر من عدة وجوه:

أحدها: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله - عز وجل -، لا من جهة المسيح، كما قال تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) } إلى أن قالوا: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) } [يس: 14 - 17] . ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح - عليه السلام -، والله أعلم. ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا (15) } [يس:15] .

الثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح؛ ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتَاركة، وهن القدس وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، والإسكندرية لأنهم اصطلحوا فيها على اتخاذ القساوسة. ثم رومية لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأطَّدَه. ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البترك من رومية إليها، كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين، فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت، فأهل هذه القرية قد ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم، فالله أعلم.

الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغير واحد من السلف: أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين، ذكروه عند قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى (43) } [القصص:43] .

(1) انظر: مختصر قواعد التفسير للسبت: ص (23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت