تدعون» ظهرت عليه حركة حرف الجر الزائد. ومعنى الكلام: أن الله يعلم أنكم لا تدعون موجودًا ولكنكم تدعون أمورًا عدمية، ففيه تحقير لأصنامهم بجعلها كالعدم لأنها خلو عن جميع الصفات اللائقة بالإلهية. فهي في بابها كالعدم فلما شابهت المعدومات في انتفاء الفائدة المزعومة لها استعمل لها التركيب الدال على نفي الوجود على طريقة التمثيلية. [1]
وقال الشوكاني: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} ... وعلى تقدير النفي كأنه قيل: إن الله يعلم أنكم لا تدعون من دونه من شيء، يعني: ما تدعونه ليس بشيء. [2] وكأن عبارة السعدي تشير إلى مثل هذا. [3]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى هو ما رجحه ابن جزي عليه رحمة الله وهو أن «ما» موصولية بمعنى الذي، وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: إذا قلنا بأن «ما» موصولة فالمعنى: أن الله يعلم الذين يدعون من دونه من جميع الأشياء، ويعلم حقيقتها، وكأن الآية على هذا المعنى تشير إلى أنها لا تصلح للعبادة، وأنها حقيرة، وليست بشيء.
وإن كانت بمعنى النفي: فيكون المعنى: أن الله يعلم وهو العزيز الحكيم، أنهم لا يدعون من دونه من شيء، فما يدعونه من دون الله لا يصلح أن يكون شيئًا له قدر ولا بال.
وهذا يقتضي عدة أمور: منها: تعليق «يعلم» عن العمل. ومنها أن تكون «من» في قوله: {مِنْ شَيْءٍ} زائدة؛ وهذه مسألة فيها نظر عند أهل العلم رحمهم الله تعالى. والمقرر في قواعد التفسير أنه لا زائد في القرآن. [4]
الأمر الثاني: أن ما ذكروه من معنى في القول الثاني موجود في القول الأول وهو متضمن له، غير أنه عند حمل «ما» على النفي يكون أصرح؛ لأنه نفى عنهم أن يكونوا شيئًا، وأما على
(1) تفسير التحرير والتنوير (20/ 255) .
(2) فتح القدير (4/ 204) .
(3) تفسير السعدي (1/ 631) .
(4) مختصر قواعد التفسير للسبت: ص (9) .