فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 972

يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء مُلئَت حرسا شديدًا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك؛ لئلا يسترقوا شيئا من القرآن. فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدرى من الصادق. وهذا من لطف الله بخلقه ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قال الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) } أي: من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه. [1]

وغاية ما في الأمر أن إحدى القراءتين نفت حصول السمع والأخرى نفت مقدماته وهذا لا يوجب التعارض، والجمع أولى من الترجيح كما هو مقرر.

قال ابن عاشور: والقراءتان في معنى واحد، وما نقل عن أبي عبيد من التفرقة بينهما في المعنى والاستعمال لا يصح. وحاصل معنى القراءتين: أن الشهب تحول بين الشياطين وبين أن يسمعوا شيئًا من الملأ الأعلى وقد كانوا قبل البعثة المحمدية ربما اختطفوا الخطفة فألقوها إلى الكهان فلما بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قدر زيادة حراسة السماء بإرداف الكواكب بعضها ببعض حتى لا يرجع من خطف الخطفة سالمًا كما دلّ عليه قوله: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ (10) } فالشهب كانت موجودة من قبل وكانت لا تحول بين الشياطين وبين تلقف أخبار مقطعة من الملأ الأعلى فلما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - حرمت الشياطين من ذلك. [2]

وقد أجاب الطحاوي رحمه الله تعالى عن الأحاديث الواردة في تلقف بعض الشياطين من الملائكة شيئًا من الوحي، وأنها تعارض ما ثبت من عدم خلوص أحدٍ منهم حتى تحرقه الشهب. فبين أن هذا محمول على أن الأحاديث المثبتة لتلقف الشياطين وأخذهم شيئًا من الوحي كانت قبل الأحاديث التي تدل على نفي ذلك، وأنها نسختها. [3]

والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.

(1) تفسير ابن كثير (3/ 4) .

(2) تفسير التحرير والتنوير (23/ 92) .

(3) مشكل الآثار للطحاوي (5/ 311) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت