فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 972

قال ابن عاشور: والتسمع: تطلب السمع وتكلفه، فالمراد التسمع المباشر، وهو الذي يتهيأ له إذا بلغ المكان الذي تصل إليه أصوات الملأ الأعلى، أي أنهم يُدْحرون قبل وصولهم المكان المطلوب. والقراءتان في معنى واحد، وما نقل عن أبي عبيد من التفرقة بينهما في المعنى والاستعمال لا يصح. [1]

الترجيح:

وبهذا يتبين لك أن من المفسرين من رجح قراءة التخفيف على التشديد كابن جرير والزمخشري وابن عطية. قال ابن جرير: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بالتخفيف، لأن الأخبار الواردة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه، أن الشياطين قد تتسمع الوحي، ولكنها ترمى بالشهب لئلا تسمع. [2]

وهذا الترجيح - فيما يظهر لي - غير متجه والعلم عند الله تعالى، لأن غاية ما في الأمر أن قراءة التخفيف تنفي حصول الاستماع، وقراءة التشديد تنفي تطلب الاستماع، ولا تعارض في ذلك، ولعل ما حمل ابن جرير على ترجيح قراءة التخفيف هو ما ثبت في الأحاديث من أن الشياطين يركب بعضهم على بعض حتى يصلوا إلى السماء ليسترقوا السمع فاعتبر هذا الفعل منهم تطلبًا للسماع وكأن هذا التطلب ظاهره يعارض المعنى المذكور في قراءة التشديد.

وهذا يجاب عنه: بأن الشياطين إنما يسترقون السمع بوصولهم إلى مقاعد للسمع في السماء تصل إليها أصوات الملائكة فيخطفون الخطفة من الوحي فينزلون بها، وأن هذا كان بمقدورهم قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأما بعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتشديد الحراسة على السماء بالشهب فلم يعد بإمكانهم الوصول إلى هذه المقاعد ويدل لهذا قوله تعالى في سورة الجن: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) } [الجن] فالآية تبين أنهم كانوا يتنصتون في هذه المقاعد لاستراق السمع، ثم منعوا من ذلك، وهذا يؤيد قراءة التشديد قال ابن كثير عند قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) } [الجن] قال:

(1) تفسير التحرير والتنوير (23/ 83) .

(2) تفسير الطبري (23/ 36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت