قال ابن كثير: وقوله: {فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: الذين أخذوه فتلَوْه حق تلاوته من أحبارهم العلماء الأذكياء، كعبدالله بن سلام، وسلمان الفارسي، وأشباههما. وقوله: {وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} يعني العرب من قريش وغيرهم. [1]
القول الثاني: أن المراد بالذين أوتوا الكتاب المتقدمين من أهل التوراة والإنجيل وأراد بهؤلاء المعاصرين لمحمد - صلى الله عليه وسلم - منهم كعبدالله بن سلام.
قال الطبري: {فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} من قبلك من بني إسرائيل {يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} يقول: ومن هؤلاء الذين هم بين ظهرانيك اليوم من يؤمن به كعبدالله بن سلام، ومن آمن برسوله من بني إسرائيل. [2]
وقال ابن عطية: {فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} يريد التوراة والإنجيل، أي فالذين كانوا في عصر نزول الكتاب وأوتوه حينئذ {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي كانوا مصدقين بهذا الكتاب الذي أنزلناه إليك، فالضمير في «به» عائد على القرآن، ثم أخبر عن معاصري محمد - صلى الله عليه وسلم - أن منهم أيضًا {مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} ولم يكونوا آمنوا بعد. [3]
وقال الزمخشري: أراد بالذين أوتوا الكتاب الذين تقدموا عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل الكتاب {وَمِنْ هَؤُلَاءِ} ممن في عهده منهم. [4]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله هو القول الثاني، وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أن سياق الحديث في الآيات عن أهل الكتاب، حيث جاء الأمر بمجادلتهم بالتي هي أحسن. ثم قال الله: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: في زمنهم، ذلك أن أهل الكتاب بُشِّروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فآمنوا به قبل بعثته كما قال الله: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ
(1) تفسير ابن كثير (3/ 417) .
(2) تفسير الطبري (20/ 153) .
(3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 317) .
(4) الكشاف (3/ 453) .