وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) [الصف: 6] فهم آمنوا به قبل مجيئه، وإلا لما صح منهم الإيمان حينذاك. ثم لما جاء بالبينات فمنهم من جحد بالكتاب المنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنهم على علم بحقيقته؛ ثم قال عن أهل الكتاب المعاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم: {وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ} يعني: من آمن منهم به كعبدالله بن سلام وغيره. ثم قال: {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) } لأنهم في حقيقة الأمر موقنون بصدق ما أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - فكفروا مع العلم، قال ابن منظور: قال الجوهري الجُحودُ: الإِنكار مع العلم. [1] وقال الفيومي: جَحَدَهُ .. أَنْكَرَهُ وَلَا يَكُونُ إلَّا عَلَى عِلْمٍ مِنْ الْجَاحِدِ بِهِ. [2] وقبل ذلك يقول الله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) } (الأنعام: 33) . ثم إن أحد الأمور السبعة التي يندفع بها الإشكال في التفسير: دلالة السياق. والقاعدة الأخرى تقول: مهما أمكن إلحاق الكلام بما يليه أو بنظيره فهو أولى. [3]
الأمر الثاني: وهو متعلق أيضًا بمناسبة الآيات وسياقها، فإن الله تعالى أمر بمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، ثم بين لنا ما نجادلهم به لبيان الحق وصدق نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو إيمان أسلافهم بهذا القرآن والنبي الذي يبعثه الله في آخر الزمان، وهذه من أقوى حجج الإلزام لهم، ولو كان قوله تعالى: {وَمِنْ هَؤُلَاءِ} يعني به أهل مكة لتحول مجرى الكلام. فأهل مكة لم يكونوا قبل ذلك أهل علم فَيُلْزَمون بعلمهم بخلاف أهل الكتاب.
الأمر الثالث: أن هذا هو قول جمهور المفسرين كابن جرير وابن عطية وغيرهم. والآية تحتمل القول الأول لكن المقدم هو ما ذكرناه.
والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
(1) لسان العرب: (3/ 106) .
(2) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: (2/ 72) .
(3) مختصر قواعد التفسير للسبت: ص (6، 25، 26) .