الأمر الثالث: أن فصل الآية الثانية عن الأولى يستلزم بقاء الفعل «تركنا» بدون مفعول، ولا يخفى ما في هذا من العي وعدم الفصاحة.
وقد بين ابن القيم رحمه الله تعالى وجه تغليط هذا القول من أوجه كثيرة في كتابه النافع: جلاء الأفهام. فقال: وهذا القول ضعيف لوجوه:
أحدها: أنه يلزم منه حذف المفعول لـ «تركنا» ولا يبقى في الكلام فائدة على هذا التقدير، فإن المعنى يؤول إلى: أنا تركنا عليه في الآخرين أمرًا لا ذكر له في اللفظ، لأن السلام عند هذا القائل منقطع بما قبله لا تعلق له بالفعل.
الثاني: أنه لو كان المفعول محذوفًا كما ذكروه، لذكره في موضع واحد ليدل على المراد منه عند حذفه، ولم يطرد حذفه في جميع من أخبر أنه ترك عليه في الآخرين الثناء الحسن، وهذه طريقة القرآن، بل وكل كلام فصيح، أن يذكر الشيء في موضع ثم يحذفه في موضع آخر لدلالة المذكور على المحذوف، وأكثر ما تجده مذكورًا، وحذفه قليل، وأما أن يُحْذف حذفًا مطردًا ولم يذكره في موضع واحد، ولا في اللفظ ما يدل عليه، فهذا لا يقع في القرآن!.
الثالث: أن في قراءة ابن مسعود: «وتركنا عليه في الآخرين * سلامًا» بالنصب، وهذا يدل على أن المتروك هو السلام نفسه.
الرابع: أنه لو كان السلام منقطعًا مما قبله لأخل ذلك بفصاحة الكلام وجزالته، ولما حسن الوقوف على ما قبله، وتأمل هذا بحال السامع إذا سمع قوله: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) } كيف يجد قلبه متشوقا متطلعًا إلى تمام الكلام، واجتناء الفائدة منه، ولا يجد فائدة الكلام انتهت وتمت ليطمئن عندها، بل يبقى طالبًا لتمامها، وهو المتروك، فالوقف على الآخرين ليس بوقف تام.
الخامس: أنه قال: سلام على نوح في العالمين فأخبر سبحانه أن هذا السلام عليه في العالمين، ومعلوم أن هذا السلام فيهم هو سلام العالمين عليه، كلهم يسلم عليه، ويثني عليه، ويدعو له، فذكره بالسلام عليه فيهم، وأما سلام الله سبحانه عليه فليس مقيدًا بهم، ولهذا لا يشرع أن يسأل الله تعالى مثل ذلك، فلا يقال: السلام على رسول الله في العالمين، ولا اللهم سلم على رسولك في العالمين، ولو كان هذا هو سلام الله لشرع أن يطلب من الله على الوجه الذي سلم به.