قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز له أن يكذب؟ قلت: قد جوّزه بعض الناس في المكيدة في الحرب والتقية، وإرضاء الزوج والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين. [1]
فهذه الأحاديث الصحيحة تثبت كذبات إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كما أنها تثبت أن منها ثنتان لا حظ له فيها وإنما كانت خالصة الله تعالى، وأما الأخرى، فكان لحظ نفسه منها شيء وهي التي كذب فيها على الجبار في شأن سارة.
وقيل: إن هذه الكذبات من المعاريض، فإنه أراد أنه سقيم فيما يستقبل لأن كل إنسان لا بد له أن يمرض. أو أراد أنه سقيم النفس من كفرهم وتكذيبهم له؛ وهذا النوع من المعاريض جائزة وقت الحاجة.
وممن ذكر ذلك من المفسرين: السمعاني [2] وابن عطية [3] وابن الجوزي - ونقله عن ابن الأنباري-. [4] والقرطبي ونقله عن الضحاك. [5]
وقال الزمخشري: والصحيح أن الكذب حرام إلاّ إذا عرّض وورّى، والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام، ولقد نوى به أن مَن في عنقه الموت سقيم. [6]
الترجيح:
والراجح والعلم عند الله تعالى أن هذه الكذبات محمولة على أنها من المعاريض، وهذا هو الأليق والأنسب وذلك لعدة أمور:
الأمر الأول: أن هذا هو الأليق والأنسب لمقام النبوة ومقام خليل الرحمن عليه السلام، وإن كان لأجل الضرورة والكيد بالأصنام، فإن في المعاريض مندوحة عن الكذب. ومتى ما وُجد محمل سائغ يجوز حمل الكذبات عليه فهذا هو الأصل.
(1) الكشاف (4/ 48) .
(2) السمعاني (( 4/ 404 - 405) .
(3) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 478) .
(4) زاد المسير (7/ 66) .
(5) تفسير القرطبي (15/ 93) .
(6) الكشاف (4/ 48) .