الأمر الثاني: أن تسمية النبي - صلى الله عليه وسلم - لِما عَرَّض به إبراهيم عليه السلام كذبات، فإنما هو كذب باعتبار الأفهام، لأن الذي في ذهن المتكلم غير الذي في ذهن السامع. ومن نظر إلى مجرد اللفظ في الحديث كابن جرير رجح أنه كذب صريح.
قال ابن جرير بعد أن ذكر قول الذين قالوا: إن قوله {إِنِّي سَقِيمٌ (89) } كلمة فيها مِعْراض، ومعناها أن كل من كان في عنقه الموت فهو سقيم، وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر. قال: والخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخلاف هذا القول، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الحقّ دون غيره. [1]
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا الأمر بيانًا شافيًا فقال:
بل الكذب كله حرام. ولكن تباح عند الحاجة الشرعية: المعاريض [2] وقد تسمى كذبا؛ لأن الكلام يعني به المتكلم معنىً وذلك المعنى يريد أن يفهمه المخاطب فإذا لم يكن على ما يعنيه فهو الكذب المحض، وإن كان على ما يعنيه ولكن ليس على ما يفهمه المخاطب فهذه المعاريض، وهي كذب باعتبار الأفهام، وإن لم تكن كذبا باعتبار الغاية السائغة. ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله: قوله لسارة: أختي وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا(63) } وقوله {إِنِّي سَقِيمٌ (89) } ). وهذه الثلاثة معاريض. وبها احتج العلماء على جواز التعريض للمظلوم وهو أن يعني بكلامه ما يحتمله اللفظ وإن لم يفهمه المخاطب؛ ولهذا قال من قال من العلماء: إن ما رخص فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما هو من هذا، كما في حديث أم كلثوم بنت عقبة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا) . [3] ولم يُرَخَّص فيما يقول الناس: إنه كذب إلا في ثلاث: في الإصلاح بين الناس وفي الحرب؛ وفي الرجل يحدث امرأته. [4] قال: فهذا كله من المعاريض
(1) تفسير الطبري (23/ 71) .
(2) والمعاريض: أن يريد الرجل أن يكلم الرجل بالكلام الذي إن صرح به كان كذبا. فيعارضه بكلام آخر يوافق ذلك الكلام في اللفظ ويخالفه في المعنى، فيتوهم السامع أنه أراد ذلك، وهذا كثير في الحديث. انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (4/ 287) .
(3) الحديث في الصحيحين: صحيح البخاري (2/ 952) ، وصحيح مسلم (4/ 2007) .
(4) الحديث: صحيح. أخرجه أبو داود في سننه باب إصلاح ذات البين: (13/ 80) ، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (10/ 421) .