قال ابن كثير: هذه القصة مذكورة هاهنا وفي سورة «الصافات» وفي سورة «ن» وذلك أن يونس بن مَتَّى عليه السلام، بعثه الله إلى أهل قرية «نينوى» ، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث. فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله عز وجل، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفُصْلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحُمْلانها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) } (يونس:98) . [1]
القول الثاني: أنه هرب لما خشي اتهامهم له بالكذب لأنه أخبرهم بإتيان العذاب في يوم معين فآمنوا خوفا فرفع الله عنهم العذاب.
قال ابن عباس رضي الله عنهما، ووهب: كان يونس وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمُشَوَّر [2] منهم، فقصد البحر فركب السفينة، فاحتبست السفينة فقال الملاحون: هاهنا عبد آبق من سيده، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، فاقترعوا ثلاثًا فوقعت على يونس، فقال يونس: أنا الآبق، وزج نفسه في الماء. [3]
قال البغوي: وقال عروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وجماعة، ذهب عن قومه مغاضبا لربه، إذ كُشف عن قومه العذاب بعدما أوعدهم، وكره أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما أوعدهم، واستحيا منهم؛ ولم يعلم السبب الذي به رفع العذاب، وكان غضبه أتفه من ظهور خلف وعده، وأنه يسمى كذابًا لا كراهية لحكم الله تعالى. [4]
(1) تفسير ابن كثير (4/ 21) .ونِينَوَى: بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح النون والواو بوزن طِيطَوَى: وهي قرية يونس بن متى علية السلام بالموصل. معجم البلدان (4/ 272)
(2) المشور: الخجل. تفسير البغوي - (7/ 60) . والشورة بالفتح: الخجلة. القاموس المحيط (1/ 540) ، قال ابن منظور: وتشور هو: خجل حكاها يعقوب وثعلب. اللحياني: شورت الرجل وبالرجل فتشور إذا خجلته فخجل، وقد تشور الرجل. والشورة: الخجلة. لسان العرب (4/ 436) . لسان العرب (4/ 436) .
(3) تفسير البغوي (4/ 42) ، والسمعاني (( 4/ 413) .
(4) تفسير البغوي (4/ 42) .