قال ابن عطية: فروي أن الله بعثه إلى قومه فدعاهم مرة فخالفوه فوعدهم بالعذاب، وأعلمه الله تعالى بيومه فحدده يونس لهم، ثم إن قومه لما رأوا مخايل العذاب قبل أن يباشرهم تابوا وآمنوا فتاب الله عليهم وصرف العذاب عنهم، وكان في هذا تجربة ليونس فلحقت يونس غضبة. [1]
الترجيح:
والأظهر والعلم عند الله تعالى هو القول الثاني، وهو المأثور عن جماهير السلف كما رأيت، وقد ذكر ابن أبي شيبة بإسناده إلى عبدالله بن مسعود قصة يونس بن متى وفيها أن من كذب فيهم ولم تكن له بينه فإنهم يقتلونه. [2]
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال: بعثه الله -يعني يونس- إلى أهل قريته، فردوا عليه ما جاءهم به، وامتنعوا منه فلما فعلوا ذلك، أوحى الله إليه إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا، فاخرج من بين أظهرهم، فأعلم قومه الذي وعده الله من عذابه إياهم، فقالوا: ارمقوه فإن خرج من بين أظهركم، فهو والله كائن ما وعدكم، فلما كانت الليلة التي وعدوا بالعذاب في صبحها، أدلج ورآه القوم، فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله فاستقالوه فأقالهم، وتنظر يونس الخبر عن القرية وأهلها، حتى مر به مارٌ فقال: ما فعل أهل القرية. فقال: فعلوا أن نبيهم خرج من بين أظهرهم، فعرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها، وعجوا إلى الله، وتابوا إليه، فقبل منهم وأخر عنهم العذاب، قال: فقال يونس عند ذلك: -وغضب- والله لا أرجع إليهم كذابًا أبدا، وعدتهم العذاب في يوم ثم رُدَّ عنهم، ومضى على وجهه مغاضبًا. [3]
وعلى كل حال، فالذي في كتاب الله تعالى هو مكمن العظة والعبرة، وكونه خرج هربا من اتهامهم له بالكذب، أو أنه كان مغاضبًا لهم ليس فيه كبير فائدة. وقد ذكر أئمة التفسير
(1) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 485) .
(2) مصنف ابن أبي شيبة (6/ 338) .
(3) تفسير الطبري (17/ 72) .